بقلم استاذ عمر الصالحي
الاداري والتربوي عضو الجمعية العراقية لعلاج النفسي
التوحّد ليس كلمةً تنتهي عند التشخيص، ولا حالةً تُفهم من نظرةٍ عابرة.
خلف هذا الاسم طفلٌ له عالمه الخاص، وأسرةٌ بدأت منذ اللحظة الأولى رحلةً من الخوف والأمل، ومحاولاتٍ لا تنتهي لفهم طفلها واحتوائه ومساندته.
ما هو التوحّد؟
التوحّد هو اضطراب نمائي عصبي يرتبط بنمو الدماغ في مراحل مبكرة من حياة الطفل، وتظهر علاماته غالباً خلال السنوات الأولى، ويؤثر في طريقة تواصل الطفل وتفاعله وفهمه للعالم من حوله.
هل الشاشات هي السبب؟
لا، الشاشات ليست سبباً رئيساً للتوحّد. لكن الإفراط فيها قد يؤثر في التواصل والتفاعل الاجتماعي حتى عند الطفل الذي لا يعاني من التوحّد.
وما سببه إذن؟ هل اللقاحات أو ما تتناوله الأم من عقاقير أثناء الحمل؟
حتى الآن لا يوجد سبب واحد يمكن القول إنه سبب التوحّد. هناك عوامل متعددة قد تتداخل في حدوثه، ولا توجد أدلة علمية موثوقة تثبت أن اللقاحات والعقاقير تسبب التوحّد.
وهل للتوحّد أنواع؟
نعم له أنواع ولكل نوع درجات من الحدة (شديد، متوسط، خفيف) ..
لذلك هو عبارة عن طيف واسع؛ أي أن الأطفال ليسوا نسخةً واحدة من بعضهم. منهم من تكون احتياجاته بسيطة، ومنهم من يحتاج إلى دعم أكبر، ولكل طفل قدراته وطريقته الخاصة.
ومن يستطيع تشخيصه؟
الطبيب النفسي، وطبيب الأعصاب، والأخصائي النفسي السريري، (وخصوصاً من لديه خبرة ودراسة متخصصة في التوحّد وفق أساليب التشخيص والتقييم الحديثة.) .
هل للتوحّد علاج؟
لا يوجد حتى الآن علاج شافٍ للتوحّد، لكن هذا لا يعني أن الأبواب مغلقة.
هناك تدريب وتأهيل وتعليم يساعد الطفل على تطوير مهاراته، والتواصل بصورة أفضل، وزيادة قدرته على الاعتماد على نفسه. وكلما فهم الوالدان طفلهم وتعلما كيف يتعاملان معه، أصبحا شريكين حقيقيين في رحلة تطوره.
ومن حق كل أب وأم أن يسألوا عن الدليل العلمي لأي بروتوكول علاجي يُعرض عليهم، خصوصاً عندما يتضمن وعوداً كبيرة مثل إزالة التوحّد نهائياً.
قبل أن تدفعوا أموالكم مقابل أي بروتوكول علاجي، اسألوا: أين الدراسات العلمية المحكمة؟ هل ثبتت فعاليته وسلامته؟ وهل توجد أدلة على النتائج الموعودة تحديداً ؟
أطفالنا وأسرهم يستحقون العلم لا الشائعات، والشفافية لا التضليل، والأمل المسؤول لا الوعود التجارية.
فلنواجه الادعاءات بالأدلة، ولنحفظ للأسر حقها في اتخاذ قرارات واعية تحمي صحة أطفالها وكرامتهم ومستقبلهم.
وهل طفل التوحّد يشعر؟
نعم… يشعر.
يفرح، ويحزن، ويتألم، ويحب، ويتعلق بمن حوله.
لكن ربما لا يعبّر عن ذلك بالطريقة التي اعتدناها نحن.
اختلاف التعبير لا يعني غياب الشعور.
وهل يستطيع الاندماج في المجتمع؟
كل طفل له قدراته واحتياجاته، لكنني أؤمن أن المجتمع يستطيع أن يصنع فرقاً كبيراً.
فالطفل لا يحتاج فقط إلى أن نطالبه بالتأقلم مع المجتمع؛ بل يحتاج أيضاً إلى مجتمع يتعلم كيف يفهمه ويحتويه.
وهل التعامل مع طفل التوحّد ممكن؟
قبل أن أجيب، دعوني أسأل:
هل رأيتم يوماً، أو شعرتم، بما يفعله ويشعر به والدا طفل التوحّد؟
كيف يحملان هماً يفوق الجبال ثقلاً، ويصهران الصعاب كما يُصهر الحديد؟
يقرآن، ويبحثان، وقد يحضرون التدريبات، ويتابعان كل جديد، ولا ينفكّان عن سؤال نفسيهما:
كيف سيكون مستقبله؟
من سيعتني به عندما نكبر؟
هل سيتمكن يوماً من الاعتماد على نفسه؟
هل سيفهمه المجتمع؟
هل سيستيقظ يوماً ويتحدث بطلاقة، ويخبرنا أنه كان يفهم ويدرك كل شيء، ويشكرنا على كل هذا الحب والعطاء؟
ورغم كل ما يفعلانه، قد يشعران بالتقصير، وكأنهما لم يفعلا ما يكفي، وكأن الذنب ذنبهما.
أما جوابي فهو: نعم، التعامل مع طفل التوحّد ممكن.
ممكن حين يكون وراءه والدان بضمير حي، وحسّ إنساني عظيم، ووعي يتّسع بقدر اتساع الكون.
وممكن جداً حين لا يواجه الوالدان الطريق وحدهما؛ حين يجدان مختصاً إنساني يفهم ويُقدر ويراعي، ومدرسةً حكومية مسؤولة تحتضن، ومجتمعاً مثقف لا يحكم، وبيئةً تمنح الطفل حقه في أن يكون مفهوماً ومقبولاً.
فطفل التوحّد لا يحتاج إلى من يحاول أن يغيّره ليصبح نسخةً من الآخرين بقدر ما يحتاج إلى من يفهم عالمه، ويكتشف طريقته في التواصل، ويؤمن بقدرته على التعلّم والنمو.
والوالدان لا يحتاجان إلى من يسألهما: ماذا فعلتما أكثر؟
بل إلى من يقول لهما:
«أنتم لا تقصّرون… أنتم تبذلون ما تستطيعون، وهذا الطفل لا يحتاج منكم الكمال، بل يحتاج منكم الحب، والصبر، والفهم، والاستمرار.»
لأن بعض المعارك لا تُرى بالعين،
وبعض أعظم أشكال الحب… أن تبقى واقفاً إلى جانب إنسان، حتى في الأيام التي لا تعرف فيها إلى أين يمضي الطريق.
ماذا نستطيع أن نقدم لهم؟
أهم نقطة أساسية هي تقبُل الحالة
إذا شعر الوالدان أن طفلهما يحتاج إلى تقييم، فلا ينتظرا طويلاً. ليبحثا عن المختص المناسب، وليتقبلا الأمر بوعي، لا بخوف؛ فالفهم الصحيح هو أول طريق الاحتواء.
التوحّد ليس نهاية الحكاية.
إنه طريق مختلف…
طريق يحتاج إلى فهمٍ أكثر، ورحمةٍ أكبر.
هل يمكن لطفل التوحّد أن يتعلّم شيئاً ينفعه؟
نعم، كأي طفل آخر، يمكنه تعلّم مهارات وهوايات تناسب عمره واهتماماته؛ كالرسم، وتركيب البازل والمكعبات، والموسيقى والعزف على البيانو، والزراعة، والسباحة، والفروسية، والحساب الذهني، وغيرها.
المهم أن نختار ما يحب، وألّا نقارنه بغيره من الأطفال؛ فلكل طفل قدراته واهتماماته الخاصة. لا نفرض عليه، ولا نطالبه بالإنجاز، بل أن نمنحه مساحةً آمنةً ليكتشف ما يحب، ويستمتع بما يفعل، وينمو وفق قدراته وإمكاناته.
ولي مبدأ في الحياة أؤمن به: راحة أبنائنا وسعادتهم هي الأولوية الثابتة، وكل شيء آخر ثانوي.
إلى أصحاب القرار:
أطفال التوحّد وأسرهم بحاجة إلى مدارس ومراكز متخصصة، وبرامج ومناهج تعليمية وتأهيلية مناسبة، وخدمات حكومية ميسّرة تخفف عنهم أعباء هذه الرحلة.
إلى الأطباء والمعالجين والمراكز الخاصة:
خففوا عن كاهل هذه الأسر ما استطعتم؛ بأسعار أكثر مراعاة، أو مبادرات دعم، أو منح وبرامج مساعدة. فكل مساعدة قد تفتح أمام طفلٍ وأسرةٍ باباً جديداً من الأمل.
وإلى المجتمع:
تفهّموا… توعّوا… تثقّفوا… تلطفوا.
ارتدوا ثوب اللياقة الخُلقية، وتعطّروا بالذوق العام.
لا تسخروا من طفلٍ لا تعرفون قصته، ولا تحكموا على أمٍّ لا تعرفون كم ليلةً قضتها وهي تفكر في مستقبل ابنها.
كلمة طيبة، موقف متفهّم، ابتسامة بلا شفقة، ومساعدة في وقتها… قد تعني لهذه الأسرة الكثير، وخصوصاً من المقربين.
وإلى الأم والأب:
هَوِّنوا على أنفسكم، واحتسبوا عطاءكم عند الله؛
فـ﴿مَن يَعمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ﴾.
فإن كانت ذَرَّة الخير تُحسب لكم، فكيف ببذلكم، وتعبكم، وإيثاركم، وكل ما تقدّمونه من حبٍّ ورعايةٍ وصبر؟
مسح الله على قلوبكم بحبّه ولطفه وإحسانه، وساق إليكم خير الدنيا والآخرة، وجعل كل لحظة تعبٍ لكم أجراً، وكل دمعةٍ رحمةً، وكل تضحيةٍ رفعةً.
بكل تواضع، نقبّل رؤوسكم وأياديكم، ونقول:
بارك الله فيكم، وجزاكم عن أبنائكم خير الجزاء.
وسنبقى مستمرين في دعمكم، بقلوبٍ صادقةٍ تشعر بكم، وتدرك حجم ما تحملونه، وتؤمن بأنكم بحبكم لأطفالكم تكسبون أعتى المعارك.
وأخيراً، وليس آخراً…
يكفي أن يكون هؤلاء الملائكةُ متنعمين في كنفكم، محظوظين بحنانكم، آمنين بحماكم.
طِبتم بعزٍّ وعافية، وبارك الله في قلوبٍ جعلت من الحبّ أماناً، ومن الصبر طريقاً، ومن الرعاية حياة.
الإداري التربوي
عضو الجمعية العراقية للعلاج النفسي
عمر الصالحي
أترك لكم بعض الرسائل من الأهالي الكرام أصحاب التجربة الحقيقية للتوحد :
(أ. ع – أم لشاب توحّدي)
تتضمن رسالتها ثلاثة محاور:
– التكاتف والصبر
على الأسرة أن تتكاتف وتتعاون، وتتحلّى بالصبر، ثم الصبر، ثم الصبر، وأن تتعلّم التعايش مع طفلها واحتضان اختلافه؛ فالدعم والتدريب والبيئة الآمنة تحسّن جودة حياته، وتمنحه فرصة للتطور والاندماج؛ فهو مختلف، وليس متخلّفًا.
– عدم المقارنة
لا تقارني طفلكِ بطفلٍ آخر، ولا حتى بطفلٍ آخر من أطفال التوحّد؛ فلكل طفلٍ عالمه الخاص، وقدراته، وخطواته، ووقته الذي ينضج فيه إنجازه.
– الاتزان العاطفي
تعلّمتُ أن أتمسّك بهدوئي مهما اشتدت نوبة ابني، وأن أحتضنه بدل أن أواجه انفعاله بانفعالٍ آخر. أحتضنه حتى يهدأ، وحينها ألمس في عينيه شعورًا بالندم، وكأنه يقول: لم أكن أقصد أن أكون هكذا. أدركتُ أن هدوئي هو الأمان الذي يحتاجه، وأن فقداننا السيطرة على أعصابنا لا يخفف ألمه، بل يزيد من صعوبة اللحظة علينا وعليه.
_________________________
(ح. ص - أب لطفلة توحدية)
تتضمن رسالته محورين :
- العلاج
من خلال تجربتي فإنني لا أفضل إعطاء طفلتي أي أدوية، لأنني لاحظت إن الكثير ممن كانوا يتناولون الأدوية، قد ساءت حالتهم، او تعرضوا لإنتكاسات، فإنني أرى إن الحل الوحيد والوجهة الوحيدة لمساعدة طفل التوحد هو التدريب والتأهيل، حيث التمكن من تنمية مهارات الطفل وتطوير قدراته.
- الحب | قوة العلاقة بين الأب والأم
بإمكان الحب أن يستوعب ويحتوي كل مشاكل العالم، تحتاج إلى صبر إلى رحمة إلى إيثار إلى تفهم، جميعها يوفرها الحب، وذلك الطفل مهما كان فهو ثمرة حبك وفلذة كبدك، يستحق أن تُفنى لأجله، أن تذوب إكراماً للحظة تلمعُ فيها عيناه لفرح ٍ ما...
تنبيه:
ما ورد في محور العلاج يعبّر عن تجربة شخصية ورأي أحد أولياء الأمور، ولا يُعدّ توصية طبية عامة. فالأدوية لا تعالج التوحّد ذاته، لكنها قد تُستخدم في بعض الحالات للتعامل مع أعراض أو اضطرابات مصاحبة، ويُحدّد استخدامها الطبيب المختص وفق حالة كل طفل. ولا ينبغي إيقاف أي دواء أو تغييره دون استشارة الطبيب.
________________________
(م. ح أم لطفلة توحدية)
تتضمن رسالتها محور واحد
- التفكير
عدم الانشغال بما يقوله الناس
التركيز على عائلتي وعالمي الخاص، وعدم السماح لكلام الناس بأن يشغلني أو يسرق طاقتي.
السيطرة على التفكير أمر مهم جدًا.
عند تعرض ابنتي لنوبة صراخ، أحتضنها وأحتويها بهدوء حتى تهدأ. لا أقابل صراخها بصراخ، ولا بتذمر أو تشكٍّ. أترك النوبة تنتهي بوقتها، مهما كانت شدتها، ثم أكمل يومي وكأن شيئاً لم يكن.
ولا أسمح لنفسي بإطالة التفكير المؤلم فيما حدث؛ بل أذهب لتشغيل القرآن وأعود إلى مزاولة أعمالي.
ومهما كانت أحداث اليوم، فلا بد أن ينتهي ونحن على أعتاب النوم. فأحتضن ابنتي، وأبدأ بسرد قصة لها، وأقرأ القرآن، وأمسد على جبهتها ورأسها لأشعرها بالاسترخاء، وأغمرها بحبي.
ليبدأ يوم جديد… وإشراقة أمل جديدة.
لا للعصبية…
لا للتذمر…
لا للتشكي…
لا لليأس…
فالهدوء والصبر الحكيم يؤديان إلى الفوز، وتحقيق النتائج المرجوة للطفل، ولراحة أعصابنا نحن أيضاً.
لا شيء مستحيل مع الإرادة والتفكير الصحيح.
التفكير باليوم فقط، وعدم تحميل أنفسنا همّ الغد.
التفكير في سرقة كل لحظة يمكن أن تسعدنا، وصناعة كل جو في البيت يمكن أن يهدئنا ويمنحنا الطمأنينة.
ودائماً وأبداً…
متوكلين على أرحم الراحمين

1 تعليقات
بارك الله بيكم
ردحذف