إعداد: وكالة صدى الثقافية
حين يُستعاد تاريخ الدراما والمسرح العراقيين، تحضر أسماء لم تكن مجرد وجوه عبرت الشاشة أو خشبة المسرح، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة أجيال كاملة. ومن بين تلك الأسماء تبرز الفنانة العراقية القديرة فاطمة الربيعي، التي امتدت رحلتها الفنية لأكثر من نصف قرن، متنقلة بين المسرح والتلفزيون والسينما، ومجسدةً خلال تلك السنوات عشرات الشخصيات التي بقي بعضها راسخًا في ذاكرة الجمهور.
ولدت فاطمة الربيعي عام 1950 في مدينة الكوت بمحافظة واسط، وانتقلت مع عائلتها وهي طفلة إلى بغداد عام 1956. ومنذ سنوات الدراسة ظهرت ميولها إلى التمثيل والأنشطة الفنية المدرسية، قبل أن تتحول تلك الموهبة إلى رحلة احتراف طويلة. وهي شقيقة الفنانة العراقية المعروفة زهرة الربيعي.
من المسرح العمالي إلى الاحتراف
بدأت الربيعي خطواتها الأولى من المسرح العمالي وهي في سن مبكرة، وهناك شاهد الفنان والمخرج بدري حسون فريد أداءها، فلفتت موهبتها انتباهه ودعاها إلى الانضمام إلى فرقة شباب الطليعة. وشكل ذلك منعطفًا مهمًا في حياتها، لتشارك لاحقًا في عمل «أشجار الطاعون» من إخراج جعفر السعدي وتأليف نور الدين فارس عام 1967.
ثم انضمت إلى الفرقة القومية للتمثيل منذ بدايات تأسيسها، لتبدأ مرحلة واسعة من العمل المسرحي والتلفزيوني والسينمائي، في زمن كان دخول المرأة العراقية إلى الوسط الفني أكثر صعوبة من اليوم، ولا سيما بالنسبة إلى فتاة تنتمي إلى بيئة اجتماعية محافظة.
وجه بقي في ذاكرة الدراما العراقية
عرف الجمهور فاطمة الربيعي من خلال مجموعة كبيرة من الأعمال التلفزيونية التي أصبحت بعض شخصياتها علامات في الدراما العراقية.
ومن أبرز أعمالها «النسر وعيون المدينة» الذي جسدت فيه شخصية «أم عطية»، إلى جانب مشاركاتها في أعمال مثل «خيط البريسم» و«صانع السيوف» و«الهاجس» و«ذئاب الليل» و«غربة وطن» و«طريق نعيمة» وغيرها من الأعمال.
ولم يكن حضورها مرتبطًا بمرحلة واحدة، فقد استمرت في العمل عبر أجيال مختلفة من الدراما العراقية، محافظة على حضورها الفني وشخصيتها الخاصة.
السينما.. محطة أخرى في الرحلة
أما في السينما العراقية، فقد تركت الربيعي بصمتها في عدد من الأفلام المهمة، ومنها «جسر الأحرار»، «الأسوار»، «تحت سماء واحدة»، «المسألة الكبرى»، «حب في بغداد»، «الفارس والجبل»، «عرس عراقي»، «سحابة صيف»، «اللعبة»، «الملك غازي» و«إلى بغداد».
وفي فيلم «المسألة الكبرى» جسدت شخصية زوجة الشيخ ضاري، بينما ظهرت في فيلم «الملك غازي» بشخصية الأميرة نفيسة.
المسرح.. البيت الأول
وعلى الرغم من حضورها التلفزيوني والسينمائي الواسع، ظل المسرح أحد أهم أعمدة تجربتها. فقد وقفت على الخشبة في أعمال عديدة، من بينها «أبو الطيب المتنبي»، «جلجامش»، «خادم سيدين»، «جزيرة أفروديت»، «نساء لوركا» و«نعيم الحمائم».
وكان المسرح بالنسبة إليها أكثر من محطة فنية؛ فهو المكان الذي انطلقت منه، واكتشفت فيه قدرتها على مواجهة الجمهور وصناعة الشخصية الحية أمامه.
المرأة في تجربة فاطمة الربيعي
ثمة جانب آخر يجعل تجربة فاطمة الربيعي جديرة بالتوقف عندها، وهو ارتباط رحلتها بقضية المرأة العراقية. فقد تحدثت في أكثر من مناسبة عن الصعوبات التي واجهتها المرأة في دخول المجال الفني خلال ستينيات القرن الماضي، وعن رغبتها في التعبير من خلال الفن عن معاناة المرأة ومكانتها في المجتمع.
وبذلك لم يكن التمثيل بالنسبة إليها مجرد مهنة، بل مساحة للتعبير عن قضايا اجتماعية وإنسانية، وهو ما انعكس في العديد من الشخصيات التي قدمتها طوال مسيرتها.
«مذكرات رائدة مسرح»
ولأن رحلة تمتد لعقود لا يمكن أن تبقى حبيسة الذاكرة وحدها، اتجهت فاطمة الربيعي إلى توثيق جانب من تجربتها في كتاب حمل عنوان «مذكرات رائدة مسرح»، مستعيدة فيه محطات من مسيرتها وحياتها الفنية.
وقد ارتبط اسمها بعدد من الألقاب التي أطلقها عليها محبوها والوسط الثقافي والفني، ومنها «عاشقة بغداد» و«نخلة العراق الشامخة» و«سيدة المسرح العراقي».
أكثر من نصف قرن من الفن
إن الحديث عن فاطمة الربيعي ليس حديثًا عن ممثلة قدمت مجموعة من الأدوار فحسب، بل عن ذاكرة فنية عراقية عاشت مراحل مختلفة من تاريخ المسرح والسينما والتلفزيون.
من زمن الأبيض والأسود، مرورًا بعقود ازدهار الدراما العراقية، وصولًا إلى أجيال جديدة من الإنتاج الفني، بقي اسمها حاضرًا.
إنها واحدة من الفنانات اللواتي شققن الطريق في زمن لم يكن الطريق فيه سهلًا أمام المرأة، وحوّلن الموهبة المبكرة إلى مسيرة طويلة من العمل.
فاطمة الربيعي ليست مجرد اسم في أرشيف الفن العراقي؛ إنها صفحة من صفحاته، ووجه من وجوه ذاكرته، ونخلة عراقية ما زالت ظلالها ممتدة في ذاكرة جمهور عرفها وأحب شخصياتها على مدى أجيال.
المصادر
- جريدة الزوراء العراقية – حوار مع الفنانة فاطمة الربيعي، 2024.
- صحيفة الشرق الأوسط – حوار مع فاطمة الربيعي عن مسيرتها الفنية.
- صحيفة الزمان – حوار حول مسيرتها وبداياتها الفنية.
- قاعدة بيانات السينما العربية «السينما.كوم» – السيرة والفيلموجرافيا.
- لقاء «سيرة فنان – فاطمة الربيعي»، قناة العراقية العامة.

0 تعليقات