عراق

نساء كركوك قبل آلاف السنين.. ماذا تخبرنا ألواح أرّابخا ونوزي عن حياتهن؟



إعداد: أنس حكيم
صدى الثقافية

قبل أن تحمل كركوك اسمها الذي نعرفه اليوم، وقبل أن تتشكل أحياؤها وأسواقها وملامحها الحديثة، كانت هذه الأرض مسرحاً لحياة بشرية ضاربة في أعماق التاريخ.

وفي منطقة كركوك القديمة برزت أرّابخا (Arrapḫa)، فيما كانت نوزي (Nuzi)، في يورغان تبه قرب كركوك، واحدة من أهم المدن التي تركت لنا وثائق تكشف تفاصيل مذهلة عن المجتمع في الألف الثاني قبل الميلاد.

لكن ماذا لو تركنا الملوك والحروب والجيوش جانبًا، وطرحنا سؤالًا مختلفًا:

أين كانت المرأة في كل ذلك؟

كيف عاشت نساء هذه المنطقة قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام؟ هل امتلكن الأرض؟ هل ظهرن في العقود؟ هل عملن؟ وهل استطاعت المرأة أن تدافع عن ممتلكاتها وحقوقها؟

المثير أن جانباً من الإجابة لم يبقَ مدفوناً تحت تراب كركوك.

لقد كُتب على ألواح من الطين.




ثمانية آلاف لوح.. وحياة لم تختفِ

كشفت التنقيبات الأثرية في نوزي، التي جرت بين عامي 1925 و1931، عن نحو ثمانية آلاف لوح وقطعة مسمارية مكتوبة بالأكدية، يعود معظمها إلى أواخر القرن الخامس عشر وبدايات القرن الرابع عشر قبل الميلاد. ولم تكن هذه النصوص مجرد أخبار للملوك، بل شملت وثائق تتعلق بالملكية والأسرة والعمل والنشاط الاقتصادي والحياة القانونية.

وهنا تظهر المفاجأة:

المرأة حاضرة في هذه الوثائق.

فدراسة متخصصة للباحثة Brigitte Lion عن النساء مالكات الأراضي في نوزي تشير إلى وفرة الوثائق المتعلقة بالنساء ونشاطهن الاقتصادي، وتكشف أن نساء متزوجات وثريات ظهرن بوصفهن مالكات للأراضي، وأن المرأة استطاعت في حالات موثقة الحصول على الأرض عبر آليات قانونية مختلفة.

أي أن صورة المرأة التي تقف خارج عالم المال والملكية ليست كافية لفهم مجتمع نوزي.

عندما أصبحت الأرض باسم امرأة



ربما تكون ملكية الأرض من أكثر ما يثير الدهشة في هذه الوثائق.

فالمرأة في نوزي لم تكن بحاجة دائماً  إلى أن تكون أميرة أو كاهنة حتى تظهر بوصفها مالكة للأرض. وتشير الدراسات إلى وجود نساء ثريات متزوجات امتلكن أراضي، كما تتناول الأدبيات المتخصصة بصورة مباشرة العلاقة بين النساء والأراضي في أرشيفي نوزي وأرّابخا.

لكن علينا ألا نقرأ هذه المعلومة بعقلية القرن الحادي والعشرين.

فهذا لا يعني أن مجتمع نوزي عرف المساواة الحديثة بين الرجل والمرأة، ولا يعني أن جميع النساء امتلكن الحقوق والفرص نفسها. كانت المكانة الاجتماعية والثروة والعائلة والقوانين والأعراف عوامل حاسمة في حياة الإنسان آنذاك.

لكن الوثائق تثبت شيئاً  مهماً :

المرأة لم تكن غائبة عن الحياة الاقتصادية والقانونية.

المرأة والأسرة.. عقود أكثر تعقيداً مما نتخيل

وتأخذنا ألواح نوزي إلى عالم الأسرة والزواج والتبنّي.

فقد عُثر على أكثر من ستين عقداً مما يصنفه الباحثون ضمن عقود التبنّي المرتبط بالزواج، وهي ترتيبات قانونية معقدة كانت فيها الفتاة تُتبنّى، ثم يرتبط الأمر بترتيبات زواجها ومهرها.

وتكشف دراسات أخرى عن ظاهرة قانونية لافتة في بعض عقود نوزي، تتمثل في منح بنات أدوارًا قانونية ترتبط عادةً بالابن، وهو ما دفع الباحثة Brigitte Lion إلى دراسة ما وصفته بـ**«بنات يصبحن أبناء» في عقود نوزي**.

ولا ينبغي تفسير ذلك بمفاهيمنا الاجتماعية الحديثة، وإنما باعتباره مثالاً على مدى تعقيد الأنظمة العائلية والقانونية في تلك المجتمعات.

نساء يعملن في قصور أرّابخا

ولم يقتصر حضور المرأة على البيت والأرض والأسرة.

تكشف ألواح قصر نوزي عن عالم واسع من العمل داخل مؤسسات مملكة أرّابخا.

فقد درست الباحثة Brigitte Lion سجلات العاملين والعاملات في القصور، ولا سيما قوائم الموظفين وحصص الشعير، ووجدت أن القوى العاملة كانت تضم مئات الأشخاص من الرجال والنساء. وكانت الألواح تسجل أحياناً جنس العامل وعمره وتخصصه المهني وعلاقاته الأسرية.

وهذه التفاصيل الصغيرة ثمينة للغاية.

فهي تنقل المرأة من الصورة المجردة إلى الحياة اليومية.

امرأة تعمل.

وأخرى تنتمي إلى أسرة.

وثالثة مرتبطة بمهنة.

وأخرى تحصل على حصتها من المواد الغذائية ضمن النظام الاقتصادي للمؤسسة.

وبعد آلاف السنين، استطاعت تلك السجلات الإدارية أن تخبرنا أن نساء أرّابخا ونوزي كن جزءًا من قوة العمل في المجتمع القديم.




ليست قصة وردية

لكن التاريخ يصبح أكثر صدقاً عندما لا نختار منه ما يعجبنا فقط.

فوجود نساء امتلكن الأراضي أو ظهرن في الوثائق القانونية لا يعني أن حياة المرأة في ذلك العصر كانت سهلة، ولا أن جميع النساء تمتعن بالمكانة نفسها.

تخبرنا الدراسات عن العاملات في القصور بوجود فئات مختلفة داخل القوى العاملة، منها العاملون ضمن أسر القصر وكذلك المستعبدون.

كما تكشف دراسة العقود المرتبطة بتبنّي الفتيات والزواج عن ترتيبات قد تبدو لنا اليوم شديدة القسوة، وكانت فيها سلطة الأسرة والمصالح الاقتصادية حاضرة بقوة في تقرير مستقبل بعض الفتيات.

إذن، لم تكن امرأة نوزي نموذجاً  واحداً .

قد نجد امرأة ثرية تمتلك أرضاً، وأخرى تعمل في القصر، وفتاة تدخل في ترتيبات عائلية يحدد الآخرون جزءًا كبيرًا من مستقبلها.

وهذه التناقضات هي التي تجعل التاريخ إنسانياً وحقيقياً.

هل نستطيع تسميتهن «نساء كركوك»؟

هنا يجب أن نتعامل مع التاريخ بحذر.

من الجميل صحفيا أن نقول «نساء كركوك قبل آلاف السنين» لأننا نتحدث عن النساء اللواتي عشن في المنطقة المرتبطة بكركوك الحالية، لكن لا يجوز أن نسقط الهويات القومية والسياسية المعاصرة على مجتمع عاش قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.

لذلك فالسؤال التاريخي الأدق هو:

كيف عاشت النساء في أرّابخا ونوزي، في الأرض التي تمثل كركوك ومحيطها اليوم؟

والإجابة التي تقدمها الألواح أكثر ثراءً مما قد نتوقع.

كانت هناك مالكة أرض.

وكانت هناك عاملة.

وزوجة وابنة وأم.

ونساء يظهرن في ترتيبات قانونية وعائلية واقتصادية.

أي أن تاريخ المنطقة لم يصنعه الملوك والجنود وحدهم.

كانت النساء هناك أيضًا.

الطين الذي حفظ حكاياتهن

مرت أكثر من ثلاثة آلاف سنة.

سقطت ممالك، وتغيرت أسماء المدن، وتعاقبت شعوب ولغات وثقافات، وهُدمت بيوت وبُنيت أخرى.

لكن شيئاً  هشًا مثل الطين استطاع أن يقاوم الزمن.

لوح صغير يحمل اسم امرأة أو ملكيتها أو حصتها أو علاقة أسرية تخصها أصبح اليوم نافذة ننظر من خلالها إلى حياة امرأة مشت يومًا على هذه الأرض.

وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية لألواح نوزي وأرّابخا.

إنها لا تخبرنا فقط كيف كانت تُدار الممالك، وإنما تعيد إلينا شيئًا من حياة الناس العاديين.

وحين نقرأ تاريخ كركوك من هذه الزاوية، لا يعود تاريخ المدينة مجرد سلسلة من الحكام والحروب والسنوات.

إنه تاريخ رجال ونساء، وعائلات وأعمال وممتلكات وأحلام ومخاوف.

ولعل نساء كركوك القديمات يستحققن منا، بعد آلاف السنين، شيئاً  بسيطا:

أن نبحث عن أسمائهن مرة أخرى، وأن نقرأ ما تركه الطين من حكاياتهن.


المصادر والمراجع

  1. Brigitte Lion، Grandmother’s Tablets: Some Reflections on Female Landowners in Nuzi، دراسة متخصصة في النساء مالكات الأراضي في نوزي، ضمن كتاب The Mummy Under the Bed: Essays on Gender and Methodology in the Ancient Near East.
  2. Brigitte Lion، Male and Female Palace Servants in the Kingdom of Arraphe، مجلة Orient، المجلد 51، 2016، ص 69–82.
  3. Brigitte Lion، Work and Gender in Nuzi Society، ضمن كتاب The Role of Women in Work and Society in the Ancient Near East، De Gruyter، 2016.
  4. Brigitte Lion، Sexe et genre (1): Des filles devenant fils dans les contrats de Nuzi et d’Emar، مجلة Topoi، 2009.
  5. دراسات وفهارس أرشيفات أرّابخا ونوزي، ومنها أعمال Brigitte Lion المتعلقة بالأرشيفات الخاصة والنساء والأراضي في نوزي وأرّابخا.
  6. دراسة حديثة حول النساء في رسائل نوزي تجمع الإشارات الواردة عن النساء في corpus رسائل يورغان تبه وتبحث ما تكشفه عن حياتهن في مملكة أرّابخا خلال العصر البرونزي المتأخر. 

إرسال تعليق

0 تعليقات