عراق

الحسد ..بين الشعور بالنقص والرغبة في الاكتمال وتمني زوال نعمة الغير..لمحات نفسية


د. ايوب عبد الحميد 

في مجتمعاتنا الطيبة، التي غالبا  ما يتبادل أفرادها تهاني الجمعة وأمنياتها المباركة بصدق ومحبة، يتبادل الناس أيضًا مخاوفهم من عيون الآخرين وحسدهم. وربما يبادر الأغنياء والميسورون، أحيانا أكثر من الفقراء والمتعبين، إلى خطوة استباقية تتمثل في البحث عن نقاط للتذمر والشكوى، لصرف أنظار الآخرين عن نعمهم، خشية الفقدان، وبين ثقافة الكتمان والخوف من إظهار النعمة.

ويسهم الموروث الشعبي في ترسيخ هذه المخاوف من خلال حكايات وتجارب متناقلة عن الحسد وآثاره في المال والصحة والأبناء. وفي المنظور الديني يحتل الحسد مساحة واضحة بوصفه حالة أخلاقية وروحية تستوجب التحصين ومراجعة النفس، بينما يحاول علم النفس الاقتراب من الظاهرة من زاوية مختلفة: ماذا يحدث داخل الإنسان حين تؤلمه نعمة يمتلكها غيره؟

تحدث ألفرد أدلر، في إطار علم النفس الفردي، عن مشاعر النقص والسعي نحو التفوق، بينما أعطت ميلاني كلاين للحسد مكانة مهمة في نظريتها عن العلاقات بالموضوع. وأسهمت اتجاهات نفسية أخرى في تفسير جوانب من هذه الثلاثية:

1. الشعور بالنقص.. جرح الأنا

يمكن أن يصبح الحسد أكثر حضورًا عندما تهتز قيمة الإنسان في نظر نفسه، فيقرأ نجاح الآخر أو جماله أو ماله أو مكانته لا بوصفها نعمة تخص الآخر، بل بوصفها تذكيرًا بما يعتقد أنه ينقصه.

وهنا تكمن المفارقة: المشكلة ليست دائمًا فيما يمتلكه الآخر، بل في المعنى الذي نعطيه نحن لما يمتلكه.

فالإعجاب الطبيعي يقول: لديه شيء جميل أتمنى أن أحققه أيضًا.

أما الحسد فيقول: وجود هذا الشيء لديه يجعلني أشعر بأنني أقل.

وهنا تبدأ المقارنة في التحول من حافز إلى ألم.

2. الرغبة في الاكتمال.. الوهم الكبير

ميّز إريك فروم بين نمطي «التملك» و«الكينونة». وقد يقع الإنسان في وهم أن امتلاك المال أو المنصب أو الجمال أو النفوذ الذي يراه لدى غيره سيملأ فراغه الداخلي.

لكنه كلما حصل على شيء، ظهر شيء آخر يفتقده.

لأن المشكلة، في بعض الحالات، ليست في النعمة المفقودة، وإنما في علاقة الإنسان بنفسه وتقديره لقيمته.

فالاكتمال النفسي لا يعني امتلاك كل ما لدى الآخرين، وإنما القدرة على رؤية ما لدينا وما ينقصنا من دون أن تتحول المقارنة إلى حرب داخلية.

3. تمنّي زوال النعمة.. الحسد التدميري

وهنا نصل إلى الوجه الأكثر قسوة للحسد.

في تصور ميلاني كلاين، قد يتجاوز الحسد الرغبة في امتلاك الشيء الجيد إلى الرغبة في إفساده أو تجريده من قيمته. فوجود الخير لدى الآخر قد يصبح مؤلمًا للشخص الذي يشعر بعجز شديد أمامه.

لذلك لا يعود السؤال:

كيف أحصل على ما لديه؟

بل يتحول إلى:

لماذا يمتلكه هو؟ وليته يفقده.

وهذا هو الفارق المهم بين الغبطة والحسد؛ فالغبطة تتمنى مثل نعمة الآخر، أما الحسد فيتجه إلى تمني زوالها عنه.

العين والإسقاط العدواني

أما «العين» فلها حضور راسخ في المعتقد الديني والموروث الاجتماعي، بينما يتعامل علم النفس مع جانب آخر من الظاهرة، هو الإسقاط والعدوان والمقارنة الاجتماعية.

فقد يُسقط الإنسان مشاعر النقص أو الغضب الموجودة داخله على الآخرين، ويبدأ بتفسير نجاحهم باعتباره استفزازًا له، وربما يقلل من إنجازاتهم أو يبحث عن عيوبهم حتى يستعيد توازنه النفسي.

ومن المهم هنا التفريق بين التفسير الديني للعين والحسد وبين التفسير النفسي لسلوك الحاسد ومشاعره؛ فلكل منهما مجاله وأدواته.

من الحسد إلى الغبطة

يمكن مقاومة الحسد نفسيًا عبر ثلاث خطوات أساسية:

أولًا: الاعتراف بالنقص دون خزي.
أن تقبل أن الإنسان لا يمتلك كل شيء، وأن النقص جزء من التجربة البشرية وليس إهانة لقيمتك.

ثانيًا: فصل قيمة الذات عن نعمة الآخر.
نجاح إنسان آخر لا يعني فشلك، وجماله لا يسلبك قيمتك، ورزقه لا يعني أن نصيبك قد نقص. فالحياة ليست دائمًا لعبةً ذات محصلة صفرية.

ثالثًا: تحويل المقارنة إلى فضول وتعلّم.
بدلًا من سؤال: لماذا هو؟
يمكن أن نسأل: كيف وصل؟ وماذا أستطيع أن أتعلم من تجربته؟

عندها تتحول الطاقة التي كانت تُستهلك في المقارنة إلى دافع للبناء.

وماذا عن الوقاية من شر الحسد؟

إيمانيًا، يجد المؤمن طمأنينته في التحصين والدعاء وتدبر قوله تعالى:

﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.

ونفسيًا، تساعد المرونة النفسية والوعي بالذات وعدم جعل تقييم الآخرين مركزًا لحياتنا على تقليل الخوف المستمر من نظرات الناس وأحكامهم.

فليس المطلوب أن نخفي كل نعمة خوفاً من الناس، ولا أن نستعرض كل نعمة أمامهم، وإنما أن نعيش بوعي واتزان وامتنان.

الحسد، في أحد أعمق وجوهه النفسية، صراع مع الشعور بالنقص واللاجدوى. وحين يدرك الإنسان أن قيمته لا تُبنى من الاستحواذ على حظوظ الآخرين، وأن اكتماله لا يشترط نقصان غيره، تبدأ المقارنة بالانطفاء وتصبح النفس أكثر سلامًا مع ذاتها ومع الآخرين.

27 تموز 2026


إرسال تعليق

0 تعليقات