حاورتها: نوران أرسلان
وكالة صدى الثقافية
ثمة أشخاص لا تسير حياتهم في طريق واحد، بل تتقاطع فيها دروب تبدو للوهلة الأولى متباعدة، ثم تكتشف أنها صنعت في النهاية شخصية واحدة متكاملة. وبين أوراق الإدارة التي تتطلب النظام والحزم، وأوراق القصيدة التي لا تعترف إلا بالإحساس، صنعت أيهان رشيد حميد أورانقاي مسيرتها على مدى عقود.
من طوزخورماتو بدأت الحكاية؛ المدينة التي لم تبقَ في سيرتها مكاناً للولادة والنشأة فحسب، بل ظلت حاضرة في ذاكرتها ووجدانها، بجبالها ونهر أقصو ومعالمها، وبهوية تركمانية بقيت جزءاً أصيلاً من شخصيتها.
دخلت عالم الشعر عام 1985 من بيت عرف الأدب مبكرا، ثم دخلت ميدان العمل التربوي عام 1989، لتتدرج في مسؤولياته الإدارية حتى تصل إلى منصب معاون مدير قسم تربية طوز. وبين البدايتين لم تتوقف عن التعلم؛ فعادت إلى مقاعد الدراسة وحصلت على بكالوريوس اللغة العربية، وكانت الأولى على دفعتها.
وخلف مسيرتها المهنية حكاية أخرى أكثر قرباً من القلب؛ حكاية امرأة نشأت أختا وحيدة بين خمسة أشقاء، وكان للكلمة حضور في بيتها. فقد كان شقيقها الأكبر الشاعر والقاص علي أورانقاي، الذي أُعدم في زمن النظام السابق، فيما كان شقيقها محمد يكتب بالعربية. وفي ذلك المناخ وجدت أيهان طريقها هي الأخرى إلى القصيدة.
كتبت بالعربية والتركمانية، وحملت شعرها إلى مهرجانات داخل العراق وخارجه. وبين الوطن والقومية والوجدان والغزل والدين، ظل الشعر القومي، كما تقول، الأقرب إليها.
في تجربتها يلتقي عالمان: إدارية تصف نفسها بالحازمة والنظامية، وشاعرة تؤمن بأن الموضوع هو الذي يختار لغة القصيدة. وبينهما امرأة ترى في الشعر أحد السبل لحفظ اللغة والذاكرة والهوية.
في هذا الحوار، تفتح وكالة صدى الثقافية صفحات من سيرة أيهان أورانقاي؛ عن طوز التي تسكنها، وعن رحلة طويلة في التربية والإدارة، وعن المرأة في موقع المسؤولية، وعن الشعر واللغة والهوية.
📌 بدايةً، من هي أيهان أورانقاى بعيدا عن المناصب والألقاب، وكيف تقدمين نفسك للقارئ؟
أنا أيهان رشيد حميد أورانقاى، وُلدت وترعرعت في قضاء طوزخورماتو، وأنتمي إلى عائلة تركمانية من عشيرة أورانقاي، وأنا الأخت الوحيدة لخمسة أشقاء.
📌 وُلدتِ ونشأتِ في طوزخورماتو؛ ماذا أخذتِ من مدينتك، وما الذي بقي منها حاضراً في شخصيتك حتى اليوم؟
أحب مدينتي كثيراً؛ فهي جميلة في عيني. أحب جبالها، ومنها «مورسى علي»، ونهرها الجميل «أقصو»، وإمام أحمد، وكل شيء فيها. وما بقي من طوز حاضراً في شخصيتي هو حبي لقوميتي وارتباطي بها.
📌 بدأتِ مسيرتك الوظيفية عام 1989 وتدرجتِ من «كاتبة» حتى وصلتِ إلى معاون مدير قسم تربية طوز؛ ماذا علمتك هذه الرحلة الطويلة؟
بدأت حياتي الوظيفية عام 1989 في المديرية العامة لتربية صلاح الدين، وتدرجت في الوظائف الإدارية، وعملت هناك قرابة عشرين عاما، ثم انتقلت إلى مدينتي طوزخورماتو. وبفضل كفاءتي وصلت إلى منصب معاون مدير القسم.
علمتني هذه الرحلة الطويلة أن الحياة أخذ وعطاء. وخلال مسيرتي حصلت على أكثر من 200 كتاب شكر من الوزارة والمديرية والمحافظة، إضافة إلى درع الإبداع من مجلس محافظة صلاح الدين لكوني من الموظفات المتميزات، والحمد لله.
📌 عدتِ إلى مقاعد الدراسة وسط مسؤوليات العمل وحصلتِ على البكالوريوس في اللغة العربية عام 2007؛ ما الذي دفعك إلى مواصلة الدراسة رغم كل الالتزامات؟
حبي للدراسة هو الذي دفعني إلى العودة إليها، وكذلك رغبتي في تطوير نفسي. حصلت على البكالوريوس في قسم اللغة العربية، وكنت الأولى على دفعتي بمعدل جيد جداً.
📌 كامرأة وصلت إلى موقع إداري متقدم، ما أبرز التحديات التي واجهتك؟ وهل شعرتِ يوما أنك مطالبة بإثبات كفاءتك أكثر من الرجل؟
كما تعلمين، المرأة نصف المجتمع، وكما أن للرجل الحق في إدارة المجتمع، فإن للمرأة أيضًا الحق في ذلك. واجهت من البعض الغيرة والحسد، وليس من الجميع، لكنني أثبتُّ كفاءتي في عملي، والجميع يشهد بذلك.
📌 بعد سنوات طويلة في الإدارة والتربية، ما الذي ترين أن العملية التربوية تحتاج إليه اليوم بصورة ملحّة؟
أرى أن العملية التربوية تحتاج إلى إعادة النظر في المناهج؛ لأنها، من وجهة نظري، ليست بالمستوى الملائم للطالب. كما نحتاج إلى بناء مدارس وفق معايير دولية، لأن الكثير من مدارسنا تفتقر إلى أبسط الخدمات.
📌 لديك أكثر من 200 كتاب شكر، فضلاً عن الدروع والشهادات، لكن أي إنجاز أو تكريم منها بقي الأقرب إلى قلبك؟
في الحقيقة، كلها قريبة إلى قلبي؛ لأن كل كتاب شكر أو تكريم حصلت عليه كان نتيجة إنجاز أو عمل مميز، ولذلك يحمل كل واحد منها قيمة خاصة بالنسبة إليّ.
📌 بدأتِ كتابة الشعر عام 1985؛ كيف اكتشفتِ الشاعرة في داخلك، وهل تتذكرين أول قصيدة كتبتِها؟
بدأت كتابة الشعر عام 1985، وأنا أنتمي إلى عائلة أدبية. كان أخي الأكبر علي أورانقاي، رحمه الله، شاعراً وقاصاً، وقد أُعدم في زمن صدام، كما كان أخي محمد يكتب باللغة العربية. وربما كان للأمر جانب من الوراثة، فقد بدأت أنا أيضاً بالكتابة.
ونعم، أتذكر من بداياتي «دونيانين كده ري».
📌 كيف تجتمع في أيهان شخصية الإدارية التي تحتاج إلى الحزم والنظام مع شخصية الشاعرة الحساسة؟
صراحةً، لا أعرف! فأنا فعلا حازمة جدا في عملي ونظامية، وفي الوقت نفسه لدي الجانب الرقيق والحساس. وربما لأنني من برج الجوزاء الذي يُقال إن له شخصيتين مختلفتين؛ واحدة تميل إلى الحزم وأخرى إلى الرقة.
📌 كتبتِ في الوطن والقومية والغزل والوجدان؛ أي لون شعري تجدين فيه نفسك الحقيقية أكثر؟
كتبت في موضوعات كثيرة، حتى في الموضوعات الدينية، لكنني أجد نفسي أكثر في الشعر القومي.
📌 تكتبين الشعر بالعربية والتركمانية؛ عندما تولد القصيدة داخلك، هل تختارين لغتها أم أن القصيدة هي التي تختار اللغة؟
الموضوع هو الذي يختار اللغة.
📌 ما موقع الهوية التركمانية في تجربتك الشعرية؟ وهل يستطيع الشعر أن يحفظ اللغة والذاكرة والهوية؟
بالتأكيد. للشعر أهمية كبيرة في حفظ اللغة، وخصوصاً لغتنا. وأقولها بصدق: لولا الشعر والشعراء لما بقي من لغتنا إلا الاسم؛ لأن التحديات كانت كبيرة قديما وما زالت موجودة في الحاضر.
📌 لديك ديوان مطبوع بعنوان «دونيانين كده ري»، إلى جانب مجموعتين شعريتين قيد الطبع؛ ماذا يمثل الديوان في مسيرتك، وماذا تحمل الأعمال القادمة؟
نعم، لدي ديوان مطبوع ومجموعتان شعريتان أتمنى، إن شاء الله، طباعتهما في الأيام القادمة. وأرى أن من المهم أن تكون للشاعر مجموعاته المطبوعة، لما لذلك من دور في إغناء المكتبة الأدبية التركمانية.
📌 حققتِ مراكز متقدمة في مسابقات الشعر التركماني والنسائي وشعر الأطفال؛ أي نجاح منها كان الأقرب إليك، ولماذا؟
الأقرب إلى قلبي مسابقة «شعر ياريشماسي» في تلفزيون توركمان إيلي؛ لأنها ضمت مجموعة كبيرة من الشعراء والشاعرات، وكان فخراً بالنسبة إليّ أن أنافس الرجال والنساء معاً.
📌 شاركتِ في مهرجانات داخل العراق وخارجه؛ أي مشاركة أو موقف بقي محفورًا في ذاكرتك حتى اليوم؟
شاركت في الكثير من المهرجانات داخل العراق، منها مهرجان المربد، ومهرجان صلاح الدين، ومهرجان الجواهري، إضافة إلى المهرجانات التركمانية التي أُقيمت في بغداد وكركوك.
كما شاركت في مهرجانات أُقيمت في تركيا، منها أنطاليا وأسكي شهير وجناق قلعة، وكانت هذه المشاركات محطات مهمة في تجربتي الأدبية.
📌 كيف ترين حضور المرأة التركمانية في المشهد الثقافي والأدبي اليوم؟ وهل أخذت المبدعة التركمانية المساحة التي تستحقها؟
بالتأكيد، للمرأة التركمانية حضور واضح في المشهد الثقافي والأدبي، والدليل على ذلك العدد الكبير من الأديبات والشاعرات الحاضرات في الساحة الثقافية. ومن وجهة نظري، نعم، استطاعت المرأة التركمانية أن تثبت حضورها ومكانتها.
📌 تم تكريمك مؤخراً من مؤسسة الفنار للتنمية ضمن الناشطات في المجتمع؛ ماذا مثّل لك هذا التكريم بعد سنوات من العمل والعطاء؟
أضاف لي هذا التكريم الكثير، وشعرت من خلاله بأن المجتمع التركماني يقدّر المرأة التركمانية ويكرّم عطاءها في مختلف المجالات. وهذا يشكل حافزا لي لكي أقدم أكثر وأكثر، وأتقدم بالشكر الجزيل إلى مؤسسة الفنار للتنمية على هذه الالتفاتة.
📌 وأخيرا ، بعد رحلة جمعت التربية والإدارة والشعر والعمل المجتمعي، كيف تحبين أن يتذكر الناس أيهان أورانقاى؟
كل ما أتمناه من رب العالمين أن يتذكر الناس أيهان أورانقاى كتربوية ناجحة، وشاعرة تركمانية خدمت قضيتها بكل إخلاص.
📃 من مسيرة أيهان أورانقاى
📚 المؤلفات والإنتاج الأدبي
- ديوان شعري مطبوع بعنوان «دونيانين كده ري».
- مجموعتان شعريتان باللغتين العربية والتركمانية قيد الطبع.
- تكتب الشعر باللغتين العربية والتركمانية.
- تنوعت قصائدها بين القومي والوطني والوجداني والغزلي والديني.
أبرز المشاركات الأدبية
- مهرجان المربد.
- مهرجان الجواهري.
- مهرجان صلاح الدين.
- مهرجانات تركمانية في بغداد وكركوك.
- أسكي شهير – تركيا، 2014.
- أنطاليا – تركيا، 2017.
- جناق قلعة – تركيا، 2019.
🎖️🏆🏅 الجوائز والتكريمات
- المرتبة الأولى في مسابقة الشعر التركماني في تلفزيون توركمان إيلي، مناصفةً مع شاعرين آخرين.
- المركز الأول في مسابقة الشعر النسائي التي أقامها اتحاد نساء التركمان على مستوى توركمان إيلي.
- المركز الثاني في مسابقة شعر الأطفال.
- درع الإبداع من مجلس محافظة صلاح الدين عام 2012.
- أكثر من 200 كتاب شكر من الوزارة والمديرية والمحافظة.
- العديد من الدروع والشهادات التقديرية من مهرجانات داخل العراق وخارجه.
- تكريم مؤسسة الفنار للتنمية ضمن الناشطات في المجتمع.
وبين التربية والإدارة والقصيدة، تواصل أيهان أورانقاى مسيرة بدأت منذ عقود، فيما بقيت طوزخورماتو واللغة والهوية حاضرة في تفاصيل تجربتها؛ في موقع المسؤولية حينا، وعلى منصة الشعر حينًا آخر.
حاورتها: نوران أرسلان
وكالة صدى الثقافية



2 تعليقات
الشاعرة (أيهان اورنقاي ) لها حضور بهي في الوسط الأدبي. بارك الله فيكِ أيتها الإعلامية الرائعة (نوران ارسلان ) الموقرة
ردحذفرائع جدا... الاستمرار بذلك مع التحيات
ردحذف