عراق

إلى أمي... التي اسمها توركمن إيلى





🖋️بقلم الدكتورة حنان قاسم ترجمان 


حين وقفتُ أمام خريطتكِ... لم أرى أرضاً بل رأيتُ أماً.
كانت تنظر إليّ بصمت... وكأنها تحمل في عينيها حكاياتٍ لم تستطع السنوات أن تمحوها.
لم أرَ حدوداً ولا مدناً... بل رأيتُ طفولتي وذكريات الجدات وضحكات الأطفال وكل ما علّمني معنى الانتماء.
وقفتُ أمامكِ طويلاً...
أبحث عن كلمةٍ تليق بكِ... لكنني كلما هممتُ بالكلام شعرتُ أن الكلمات أصغر من أن تصف ما في قلبي.
كيف يعتذر الإنسان لأمه؟
وكيف يواسي وطناً وهو الذي علّمه معنى الصبر؟
رفعتُ رأسي إليكِ...
وحاولتُ أن أبدأ الحديث...
لكن الكلمات خانتني.
ولم أجد سوى سؤالٍ واحد...
━━━━━━━━━━
❝ قلتُ لها... ❞
أمي... هل تسمعين اعتذاري؟
❝ فقالت لي... ❞
يا ابنتي... لا يحتاج اعتذار الأبناء إلى صوت. يكفيني أن أشعر أنني ما زلتُ حاضرةً في قلوبكم وأن حبكم لي لم تغيّره السنوات.
━━━━━━━━━━━
❝ قلتُ لها... ❞
كم أنا آسفة عليكِ...
كلما نظرتُ إلى خريطتكِ شعرتُ أنكِ تحملتِ أكثر مما ينبغي. كأنكِ كنتِ تخفين وجعكِ حتى لا يزداد وجع أبنائكِ.
❝ فقالت لي... ❞
الأمهات لا يخترن أوجاعهن... لكنهن يخفينها حتى يبقى أبناؤهن أقوياء.
━━━━━━━━━━━
❝ قلتُ لها... ❞
كلما نظرتُ إليكِ... لم أرَ مجرد خريطة.
رأيتُ قلباً كبيراً.. احتضن الجميع وتألم بصمت.
❝ فقالت لي... ❞
الخريطة ليست خطوطاً يا ابنتي... إنها وجوه أبنائي وذكرياتهم وأحلامهم. وحين يتألم أحدهم... أشعر أن جزءاً مني يتألم معه.
━━━━━━━━━━━
❝ قلتُ لها... ❞
رأينا الحرب...
ورأينا الدمار...
وعرف بعضنا النزوح...
وعاد كثيرون إلى بيوتهم لكنهم عادوا بقلوبٍ أثقل مما خرجوا بها.
وأشعر أن الألم بقي... حتى بعدما هدأت الأصوات.
❝ فقالت لي... ❞
الحروب تنتهي... لكن آثارها تبقى في الأرواح.
فالبيوت تُبنى من جديد... أما الطمأنينة فتحتاج إلى زمن حتى تعود.
━━━━━━━━━━━
❝ قلتُ لها... ❞
وما أكثر شيء أوجعكِ يا أمي؟
❝ فقالت لي... ❞
لم يكن وجعي في الحجر...
بل في كل أمٍ انتظرت ابنها.
وفي كل طفلٍ كبر قبل أوانه.
وفي كل قلبٍ فقد شعوره بالأمان.
━━━━━━━━━━━
❝ قلتُ لها... ❞
وما أكثر شيء تخافينه اليوم؟
❝ فقالت لي... ❞
أن ينسى الإخوة... أنهم أبناء الحضن نفسه.
━━━━━━━━━━━
❝ قلتُ لها... ❞
أشعر أحياناً أنني قصّرت بحقكِ...
وأخفض رأسي كلما وقفتُ أمام خريطتكِ.
❝ فقالت لي... ❞
لا أريد منكم المستحيل...
أريد أن تحفظوا هويتكم...
وأن يبقى حبكم لبعضكم أكبر من كل خلاف.
━━━━━━━━━━━
❝ قلتُ لها... ❞
وكيف أرد لكِ بعض جميلكِ؟
❝ فقالت لي... ❞
احكوا عني لأطفالكم...
علموهم لغتكم...
وافتخروا بتراثكم...
فالوطن يبقى حياً ما دام حياً في قلوب أبنائه.
━━━━━━━━━━━
❝ قلتُ لها... ❞
هل ما زلتِ تتألمين؟
❝ فقالت لي... ❞
كل أمٍ تتألم يا ابنتي...
لكنها لا تجعل أبناءها يرون دموعها.
━━━━━━━━━━━━
❝ قلتُ لها... ❞
وهل سامحتِنا؟
❝ فقالت لي... ❞
وهل تغضب الأم من أبنائها؟
قد تحزن...
وقد تنتظر...
لكنها لا تغلق قلبها في وجوههم أبدا.
━━━━━━━━━━━
❝ قلتُ لها... ❞
سامحيني يا أمي...
إن قصّرنا...
أو تفرّقنا...
أو تأخرنا في تضميد جراحكِ.
❝ فقالت لي... ❞
لا أريد اعتذاراً يا ابنتي...
أريد أن أراكم كما كنتم...
قلوباً متقاربة...
وأيديكم متماسكة...
فالأوطان لا تموت حين تُهدم بيوتها...
بل تموت حين ينسى الأبناء أنهم أبناء الأم نفسها.
أغلقتُ عيني...
ولأول مرة...
لم أشعر أنني أقف أمام خريطة...
بل شعرتُ أن أمي احتضنتني.
وحين فتحتُ عيني من جديد...
همستُ باسمها...
توركمن إيلى... ❤️

إرسال تعليق

0 تعليقات