تحتل خانقين مكانة خاصة في تاريخ العراق وذاكرته الاجتماعية والثقافية، ليس بسبب موقعها الجغرافي عند التخوم الشرقية للعراق فحسب، وإنما بسبب اجتماع مجموعة من العوامل فيها:
نهر الوند، والطرق القديمة التي ربطت العراق ببلاد فارس، والحدود السياسية المتغيرة، والحركة التجارية، والتنوع السكاني والديني واللغوي، والوجود العشائري، والمدينة القديمة بأحيائها وأسواقها وجسورها ومساجدها وخاناتها، فضلًا عن الذاكرة المحلية التي احتفظت بتفاصيل كثيرة لا تظهر دائمًا في الوثائق الرسمية.
ومن بين الكتّاب الذين حاولوا تسجيل جانب من هذه الذاكرة ديار الهرمزي، الذي لم يتعامل مع خانقين باعتبارها مجرد موقع جغرافي أو ناحية إدارية، وإنما باعتبارها مدينة ذات شخصية ثقافية واجتماعية خاصة.
ففي مقاله عن الأحياء والمحلات القديمة يصفها بأنها مدينة ومدرسة ثقافية ذات طابع خاص، ويربط شخصيتها بتعدد الثقافات التركمانية والكردية والعربية والآشورية والكلدانية، كما يتحدث عن العلاقات الاجتماعية بين سكانها، وعن الحياة الأدبية والفنية والرياضية التي عرفتها المدينة في ذاكرته.
وهذه الكتابة مهمة من الناحية التاريخية والاجتماعية، لأنها تحفظ أسماء الأمكنة والعائلات والشوارع والمؤسسات والذكريات التي يمكن أن تختفي من الذاكرة إذا لم تُسجل.
لكن قراءة ديار الهرمزي تحتاج إلى منهج دقيق.
فما يورده عن طفولته وذكرياته وأسماء الأحياء والعائلات يمثل مصدرًا للذاكرة المحلية والتاريخ الشفوي، أما التواريخ القديمة وأصول أسماء المدن والأنهار والجسور، فينبغي مقارنتها بالمصادر التاريخية والأرشيفية الأخرى.
وهذه المقارنة لا تقلل من قيمة روايته، بل تجعلها أكثر فائدة، لأنها تضع الذاكرة المحلية إلى جانب الوثيقة الرسمية والدراسة التاريخية.
تظهر أهمية خانقين أولًا من موقعها، فقد قامت المدينة عند نقطة يلتقي فيها طريق بغداد المتجه شرقًا نحو كرمانشاه مع نهر الوند، في منطقة تسمح بالعبور باتجاه سلسلة زاغروس.
ويشير فاضل كريم أحمد في دراسته «خانقين خلال ربع قرن 1900–1925» إلى أن المدينة تقع على مسافة نحو ثمانية كيلومترات غرب الحدود العراقية الإيرانية، وأن نشأتها ارتبطت بعوامل تاريخية متعددة، أهمها موقعها عند الطريق الذي يربط بغداد بكرمانشاه ووجود نهر الوند، الأمر الذي جعل المنطقة طريقًا مهمًا للقوافل التجارية بين العراق وبلاد فارس.
كما يشير إلى أن جسورًا متعددة أقيمت فوق الوند، وأن بعضها جرفته الفيضانات، ثم أعيد بناء جسور أخرى مكانها بسبب أهمية الطريق.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص خانقين؛ فالمدينة لم تنشأ في فراغ جغرافي، وإنما في نقطة اتصال بين طرق وحواضر ومناطق مختلفة.
والطريق التجاري لا ينقل البضائع فقط، بل ينقل اللغات والعادات والأفكار والديانات والأنماط العمرانية والعلاقات الاجتماعية.
ولذلك فإن دراسة خانقين بوصفها محطة على الطريق بين بغداد وبلاد فارس تساعد على فهم جانب كبير من تنوعها الثقافي.
وكان نهر الوند عنصرًا أساسيًا في شخصية المدينة. فالنهر لم يكن مجرد مجرى مائي، وإنما كان جزءًا من حياة السكان اليومية والاقتصادية والاجتماعية، وارتبط بالبساتين والزراعة والجسور ومواقع التنزه والذاكرة الشعبية.
وفي كتابات ديار الهرمزي يحتل الوند موقعًا مركزيًا، إذ يربطه بالمدينة وبالجسر القديم وبالأحياء التي قامت على جانبيه.
ومن أكثر الموضوعات حضورًا في ذاكرة الهرمزي جسر الوند أو «كوپري».
ففي مقاله «جسر الوند (كوپري) رمز أثري في خانقين» يقدم الجسر باعتباره واحدًا من رموز المدينة التاريخية، ويربطه بذاكرة السكان وبالطريق الذي كان يصل أجزاء خانقين ببعضها.
وفي مقاله عن «الأحياء والمحلات القديمة في خانقين» يذكر أن الجسر الذي يسميه الناس الجسر الحجري يعود، بحسب روايته، إلى العهد العثماني، ويؤرخ بناءه إلى عام 1862، بينما يرد في مقاله الآخر تاريخ 1860.
وهذا الاختلاف نفسه ينبغي تسجيله بدلًا من إخفائه، لأن توثيق الاختلاف بين الروايات جزء من العمل التاريخي.
كما يوضح الهرمزي أن تسمية «كوپري» تعني الجسر بالتركماني، وأن البناء الذي اشتهر محليًا باسم الجسر الحجري كان، بحسب وصفه، مبنيًا بالطابوق السلطاني وليس بالحجر بالمعنى الحرفي.
وهذه التفاصيل المعمارية تحتاج إلى مقارنة مع الدراسات الهندسية والأرشيف العثماني والصور القديمة، حتى يمكن تثبيت تاريخ البناء ومادته بصورة نهائية.
ويكتسب الجسر أهميته من كونه أكثر من منشأة عمرانية.
فهو شاهد على استمرار الحاجة إلى عبور الوند، وعلى أهمية خانقين في شبكة الطرق.
وهذه الفكرة تتفق جزئيًا مع دراسة فاضل كريم أحمد التي تشير إلى تكرار إنشاء الجسور بسبب الفيضانات وبسبب استمرار أهمية الطريق التجاري.
ولذلك يمكن النظر إلى الوند والجسر والطريق بوصفها ثلاثة عناصر متصلة: النهر يفرض الحاجة إلى العبور، والجسر يوفر العبور، والطريق يجعل العبور ذا قيمة اقتصادية واستراتيجية.
أما تاريخ خانقين الأقدم، فيحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
فقد ربط ديار الهرمزي المدينة بمراحل تاريخية قديمة جدًا، وذكر الآشوريين والميديين والساسانيين وغيرهم، كما تحدث في بعض كتاباته عن أسماء قديمة يرى أنها يمكن أن ترتبط بالمنطقة.
إلا أن الانتقال من وجود حضارات قديمة في منطقة ديالى وزاغروس إلى إثبات أن المدينة الحالية هي استمرار مباشر لموقع مدينة قديمة باسم محدد يحتاج إلى دليل أثري ونصي واضح.
وهذه نقطة مهمة في كتابة تاريخ خانقين.
لا ينبغي أن نخلط بين قدم المنطقة وقدم المدينة الحالية بالاسم نفسه.
فقد تكون المنطقة مأهولة منذ عصور قديمة، وقد تكون الطرق التي تمر بها قديمة جدًا، ولكن إثبات استمرار الاسم والمركز العمراني والسكان بصورة متصلة يحتاج إلى مصادر أثرية ونقوش ونصوص جغرافية متتابعة.
ويُظهر هذا المنهج أيضًا أهمية المصادر الجغرافية العربية والإسلامية، مثل أعمال اليعقوبي والبلخي والإصطخري وابن خرداذبه والمقدسي وياقوت الحموي، إلى جانب كتب الفتوحات والتاريخ الإسلامي.
فهذه المصادر تساعد في إعادة بناء شبكة الطرق والمدن والمناطق في العراق وإيران، لكنها تحتاج إلى تحقيق دقيق عند ربط أسماء المواضع القديمة بخانقين الحديثة.
وفي الفترة العثمانية تزداد أهمية خانقين بصورة واضحة، لأنها أصبحت جزءًا من المجال الإداري والسياسي العثماني المرتبط بولاية بغداد وبالحدود مع إيران. كما أن موقعها الحدودي جعلها مرتبطة بالتجارة والجمارك والطرق وحركة العشائر والصراعات بين القوى الإقليمية.
ومن هنا تأتي أهمية الوثائق العثمانية، ولا سيما السالنامات الخاصة بولاية بغداد، ووثائق الحدود العراقية الإيرانية، والوثائق المرتبطة بالمعاهدات العثمانية الإيرانية، ومنها سلسلة الوثائق المرتبطة بمعاهدة أرضروم الثانية سنة 1847.
وهذه الوثائق يمكن أن تساعد الباحث على معرفة الوضع الإداري لخانقين، والطرق والجسور، والضرائب، والقبائل، والتجارة، وحركة الحدود.
ولا ينبغي أن تقتصر دراسة خانقين على المصادر العراقية أو المحلية، لأن الوثائق الأجنبية تقدم مادة مهمة أيضًا.
ومن أهم ما يمكن الاعتماد عليه في هذا المجال تقارير الإدارة البريطانية في بلاد الرافدين.
ومن أبرزها الملف المحفوظ في أرشيف المكتبة البريطانية تحت الرقم:
IOR/L/PS/20/250
وعنوانه:
Reports of administration for 1918 of divisions and districts of the occupied territories in Mesopotamia. Volume I.
وهو مجلد يضم تقارير إدارية وسياسية قدمها الضباط السياسيون عن عدد من مناطق العراق، ومن بينها خانقين، ويتكون الملف من مجلد واحد يبلغ 231 ورقة، وهو محفوظ ضمن India Office Records، وقد أُنشئ سنة 1919.
وتؤكد فهرسة المكتبة البريطانية أن الملف يتضمن تقارير عن خانقين إلى جانب سامراء وبعقوبة والسماوة والحلة والدليم والبصرة والعمارة والكوت والناصرية وغيرها.
وتزداد قيمة هذه الوثيقة لأنها لا تقدم لنا صورة أدبية عن خانقين، بل صورة إدارية في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، هي نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية الإدارة البريطانية للعراق.
ويذكر التقرير الخاص بقضاء خانقين أن الاحتلال البريطاني لخانقين أعقبه تعيين الميجر سوان Major Soane ضابطًا سياسيًا فيها في كانون الأول/ديسمبر 1917، كما يصف التقرير حالة الريف بأنها كانت قد تضررت بشدة من العمليات العسكرية الروسية والعثمانية خلال الحرب.
وهذا المصدر مهم جدًا لفهم خانقين في مرحلة انتقالية بين الحكم العثماني والنظام السياسي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى.
كما تكشف الوثائق البريطانية عن أثر الحرب في الزراعة والاقتصاد.
ففي التقرير الخاص بتقسيم خانقين يذكر أن ظروف الحرب أثرت بشدة في الإيرادات الزراعية، وأن المحاصيل الشتوية لم تزرع تقريبًا في خانقين وقزرباط خلال موسم 1917–1918.
وتكشف وثائق أخرى عن وجود موظف زراعي في خانقين كان مقره فيها، وكان يقدم المشورة إلى الوحدات العسكرية والمزارعين المحليين، بما يدل على أن الإدارة البريطانية أولت الزراعة اهتمامًا عمليًا في المنطقة.
وهناك جانب إنساني مهم في الوثائق نفسها؛ فالتقرير يشير إلى مرور عشرات الآلاف من اللاجئين عبر خانقين وقزرباط، مع إقامة مخيمات وتقديم خدمات طبية لهم.
وهذه المعلومة تفتح مجالًا مهمًا لدراسة خانقين باعتبارها منطقة عبور سكاني في زمن الحرب، لا مجرد مدينة حدودية.
وعند مقارنة هذه الوثائق بكتابات ديار الهرمزي تظهر لنا صورتان مختلفتان، لكنهما متكاملتان.
الوثيقة البريطانية تنظر إلى خانقين من زاوية الإدارة: الإيرادات، الزراعة، القبائل، الطرق، اللاجئون، الأمن، القضاء، والصحة.
أما الهرمزي فينظر إليها من الداخل: البيت، الحي، المدرسة، الجامع، السوق، السينما، الجسر، العائلة، الجيران، الرياضيون، الأدباء، والذكريات.
والتاريخ الكامل للمدينة يحتاج إلى الصورتين معًا.
ومن أهم ما يميز كتابات الهرمزي اهتمامه بأسماء الأحياء القديمة.
فهو لا يكتفي بذكر اسم الحي، بل يحاول شرح أصله، ويذكر شوارعه ومبانيه والعائلات التي سكنت فيه.
وفي مقاله «الأحياء والمحلات القديمة في خانقين» يقدم مادة غنية جدًا عن عدد كبير من المناطق والأحياء، ومنها: الصوب الكبير والصوب الصغير، ملك شاه، آغا وخليفة، علم دار، حجي قرة محله سي، قرخلر، جه له وه، الجسر، چايرلغ، باوه گه زي، محلة پاشا كوپري، محلة المزرعة، شارع الحاج شاكر مه كينه جي، بازار تاريكة، وغيرها.
هذه المادة ذات قيمة كبيرة في دراسة التاريخ الاجتماعي، لأن أسماء الشوارع والأحياء ليست أسماء جغرافية فقط. فالحي قد يحمل اسم عائلة، أو حرفة، أو منشأة، أو شخصية دينية، أو وظيفة عسكرية، أو ظاهرة طبيعية، أو لفظًا تركمانيًا أو كرديًا أو عربيًا.
ومن أمثلة ذلك «بازار تاريكة»، الذي يفسره الهرمزي بأنه السوق المظلم، ويصفه باعتباره مركزًا من مراكز مدينة خانقين القديمة.
كما يذكر شارع الحاج شاكر مه كينه جي، ويربطه بشخصية محلية ثرية، ويذكر وجود الحمام والخان المخصص للخيول والعربات في المنطقة.
هذه التفاصيل، حتى عندما تحتاج بعض تفسيراتها اللغوية إلى مراجعة، تكشف لنا شيئًا بالغ الأهمية:
المدينة القديمة كانت منظومة من الوظائف. كان فيها السوق، والخان، والحمام، والجامع، والحسينية، والمدرسة، والسينما، والمحلات السكنية، ومحطات النقل، والطرق، والجسر.
ومن هنا يمكن إعادة بناء الحياة اليومية لخانقين، لا من خلال الأحداث السياسية الكبرى فقط، وإنما من خلال بنية المدينة نفسها.
وفي الجانب الديني، تشير ذاكرة الهرمزي إلى وجود مساجد وحسينيات وتكية نقشبندية، ومن بينها الجامع الكبير، وجامع مصطفى بك، والجامع والتكية النقشبندية، والحسينية الكبيرة أو حسينية سيد آغا.
وتوضح هذه الأسماء أن الحياة الدينية في المدينة كانت متعددة المؤسسات والمذاهب والتقاليد، وأن بعضها ارتبط بعائلات وشخصيات محلية.
كما تذكر روايته وجود كنيسة في منطقة پاشا كوپري، وتشير إلى الوجود اليهودي في خانقين، ولا سيما في حجي قرة محله سي، وتذكر أن يهود خانقين كانوا يستخدمون التركمانية والكردية والعبرية بحسب روايته.
لكن هنا تحديدًا يجب أن نفرق بين توثيق الوجود اليهودي وبين التفاصيل الزمنية والاجتماعية المتعلقة بخروج اليهود من المدينة.
فالهرمزي يذكر أن يهود خانقين غادروا بين عامي 1952 و1961، ويربط ذلك بالاعتداءات والضغوط.
هذه رواية مهمة من الذاكرة المحلية، لكنها تحتاج إلى مقارنتها بوثائق الدولة العراقية، وسجلات الهجرة، والدراسات المتخصصة بتاريخ يهود العراق، حتى يمكن تحديد التسلسل الزمني والأسباب بدرجة أعلى من اليقين.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة لأن تاريخ خانقين لا يمكن اختزاله في جماعة واحدة.
فالصورة التي يقدمها الهرمزي هي صورة مدينة متعددة المكونات، ويذكر صراحة التركمان والكرد والعرب والآشوريين والكلدان، ويتحدث عن العلاقات بين السكان وعن عدم شعوره بالتمييز في تجربته الشخصية.
وهذا ينبغي قراءته بوصفه شهادة ذاكرة شخصية واجتماعية، لا باعتباره إحصاءً سكانيًا أو حكمًا شاملًا على جميع الفترات التاريخية.
ومن أهم عناصر هذه الذاكرة أيضًا العلاقة بين المدينة والثقافة.
فالهرمزي لا يقدم خانقين بوصفها مدينة تجارية أو حدودية فقط، وإنما يصفها بأنها مدرسة ثقافية.
ويربط هذه المدرسة بالأدباء والمثقفين والفنانين والرياضيين. كما يشير إلى زيارات الفرق الرياضية من بغداد وكركوك وبعقوبة وجلولاء وقزرباط وغيرها، وإلى النشاطات الأدبية والفنية والغنائية التي كانت تقام في المدينة حتى سبعينيات القرن العشرين بحسب ذاكرته.
وهذه الصورة تتفق مع طبيعة المدن التي تقع على طرق الاتصال بين المناطق المختلفة؛ إذ تتحول المدينة الحدودية إلى نقطة تلاقٍ ثقافي، لا إلى منطقة فصل فقط.
وفي هذا السياق تصبح المدرسة والمسجد والسوق والملعب والسينما والجسر والمقهى مؤسسات ثقافية واجتماعية، حتى وإن لم تكن جميعها مؤسسات ثقافية بالمعنى الرسمي.
وكانت خانقين، بحسب هذه الذاكرة، مدينة يعرف سكانها بعضهم بعضًا، وتتشابك فيها علاقات الجيرة والقرابة والمصاهرة والعمل.
ولذلك تظهر في كتابة الهرمزي كلمات مثل الأمانة والوفاء والالتزام بالموعد والثقة والقرابة وحب العلم.
وهنا لا ينبغي التعامل مع هذه القيم باعتبارها مجرد عبارات أدبية.
فهي في التاريخ الاجتماعي مهمة؛ لأنها تعكس ما يعتبره أبناء المدينة جزءًا من هويتهم الأخلاقية.
فالمدينة لا تتكون من الحجر والطريق والنهر فقط، بل تتكون أيضًا من الصورة التي يحملها سكانها عن أنفسهم.
ولهذا كان الوند في الذاكرة أكثر من نهر.
والجسر أكثر من جسر.
والحي أكثر من مجموعة بيوت.
والسوق أكثر من مكان للبيع.
والمدرسة أكثر من بناية.
إنها جميعًا أجزاء من هوية المدينة.
أما دراسة خانقين في مطلع القرن العشرين، فتحتاج إلى العودة إلى فاضل كريم أحمد، صاحب الدراسة المهمة «خانقين خلال ربع قرن 1900–1925».
وقد نُشرت الدراسة في جريدة التآخي في منتصف حزيران/يونيو 1973 على ست حلقات، ثم أعيد نشرها لاحقًا. وتتميز بأنها دراسة ميدانية تاريخية حاولت متابعة التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمدينة خلال ربع قرن بالغ الأهمية.
وتكشف الدراسة أن أهمية خانقين لم تكن حدودية فقط؛ فقد ارتبطت بالطرق التجارية وبالقوافل وبالزراعة وبالعشائر وبالحدود العثمانية الإيرانية.
ويتناول فاضل كريم أحمد أيضًا عشائر المنطقة، ومنها عشائر باجلان، ويربط وجودها بالحركة العشائرية والاستقرار التدريجي في المنطقة.
وهذه المادة مهمة لأنها تسمح بربط تاريخ المدينة بتاريخ الريف المحيط بها؛ فالمدينة لا يمكن فصلها عن القبائل والمزارعين والطرق والأسواق التي كانت تغذيها وتتعامل معها.
كما أن خانقين كانت جزءًا من فضاء كردستان التاريخي في القراءات التي يقدمها عدد من الباحثين والكتّاب، وفي الوقت نفسه كانت مرتبطة إداريًا وسياسيًا بولاية بغداد العثمانية، ثم بالدولة العراقية الحديثة. ولهذا فإن تاريخها لا يمكن تفسيره من خلال إطار قومي أو إداري واحد فقط؛ بل يحتاج إلى متابعة تغير الحدود والإدارات والهويات السياسية عبر الزمن.
ومن هنا تأتي أهمية العهد العثماني.
فالدولة العثمانية أدارت المنطقة ضمن نظام الولايات والألوية والأقضية، وكانت خانقين مرتبطة بشبكة إدارية وعسكرية وتجارية أوسع.
كما أن موقعها قرب الحدود الإيرانية جعلها ذات أهمية في مسائل الأمن والجمارك وحركة السكان والعشائر والتجارة.
ومن المصادر المهمة لدراسة هذه المرحلة السالنامات العثمانية، ولا سيما سالنامات ولاية بغداد، إضافة إلى وثائق الأرشيف العثماني في إسطنبول المتعلقة بولاية بغداد والحدود العثمانية الإيرانية وخانقين والطرق والجمارك والعشائر.
كما ينبغي الرجوع إلى وثائق معاهدة أرضروم الثانية سنة 1847 والوثائق الحدودية اللاحقة، لأنها تمثل مرحلة مهمة في تنظيم الحدود بين الدولة العثمانية وإيران، وهي الحدود التي أصبح لها أثر مباشر في مستقبل خانقين.
وبعد الحرب العالمية الأولى دخلت المنطقة مرحلة جديدة.
وتوضح الوثائق البريطانية أن خانقين أصبحت جزءًا من منظومة الاحتلال والإدارة البريطانية في بلاد الرافدين، وأن ضابطًا سياسيًا بريطانيًا عُيّن فيها في ديسمبر/كانون الأول 1917.
كما توضح الوثائق حجم الاضطراب الذي خلفته الحرب في الريف والزراعة والاقتصاد.
ومن المهم هنا أن نقرأ الوثيقة البريطانية قراءة نقدية. فهي وثيقة رسمية من منظور سلطة الاحتلال، وليست شهادة محايدة تمامًا.
ولذلك فهي ممتازة لمعرفة ما كانت الإدارة البريطانية تراقبه وتسجله، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة بناء المجتمع من الداخل.
ولهذا تكون المقارنة بين الوثيقة البريطانية وذاكرة أبناء المدينة أكثر فائدة.
فالوثيقة تخبرنا عن الإدارة.
والذاكرة تخبرنا عن الحياة.
والدراسة التاريخية تربط الاثنين.
والأرشيف العثماني يساعد على فهم المرحلة السابقة.
والمصادر الإسلامية والكلاسيكية تساعد على وضع المنطقة ضمن تاريخ العراق والطرق والمدن القديمة.
ومن هنا يمكن القول إن كتابة تاريخ خانقين تحتاج إلى تاريخ متعدد الطبقات.
الطبقة الأولى هي التاريخ القديم للمنطقة.
والطبقة الثانية هي تاريخ الطرق والتجارة والحدود.
والطبقة الثالثة هي التاريخ العثماني.
والطبقة الرابعة هي مرحلة الحرب العالمية الأولى والإدارة البريطانية.
والطبقة الخامسة هي نشوء الدولة العراقية الحديثة.
والطبقة السادسة هي التاريخ الاجتماعي والثقافي للمدينة خلال القرن العشرين.
والطبقة السابعة هي الذاكرة المعاصرة، بما فيها شهادات أبناء خانقين وكتابات ديار الهرمزي.
وفي الطبقة الأخيرة تحديدًا تبرز قيمة الهرمزي.
فمقالاته لا تقدم سجلًا رسميًا، لكنها تحفظ مادة لا ينبغي أن تضيع:
أسماء الأحياء، وأسماء الشوارع، وأسماء العائلات، وأسماء المساجد والحسينيات، وتفاصيل الأسواق، والمدارس، والسينمات، والجسر، والوند، والعادات، والذكريات.
ولهذا فإن أهمية كتاباته لا تقتصر على المعلومات التي يمكن إثباتها أو نفيها، بل تمتد إلى حفظ خريطة الذاكرة للمدينة.
ومن أهم مقالاته في هذا المجال «الأحياء والمحلات القديمة في خانقين» المنشور في 17 كانون الأول/ديسمبر 2022، وهو من أكثر نصوصه فائدة في موضوع جغرافية المدينة الاجتماعية.
ثم يأتي مقاله «جسر الوند (كوپري) رمز أثري في خانقين» المنشور في 7 أيار/مايو 2023، وهو مهم لفهم رمزية الجسر والوند في الذاكرة المحلية.
كما كتب «خانقين لؤلؤة التاريخ» سنة 2024، حيث ركز على الموقع التاريخي والاستراتيجي للمدينة وعلى دورها في التجارة والطرق والصراعات الإقليمية.
وكتب أيضًا «خانقين مدينة التاريخ والثقافة»، حيث قدم تصورًا واسعًا لتاريخ المدينة وربطها بالحضارات القديمة وبالتنوع الثقافي والاجتماعي.
وتوجد له كذلك كتابات أخرى عن خانقين والتركمان وباجلان والشخصيات الثقافية، وهي مهمة عند بناء صورة أوسع للمدينة وشبكة العلاقات التي أحاطت بها.
لكن عند جمع هذه النصوص كلها، يجب عدم تحويل كل ما يرد فيها إلى حقيقة تاريخية نهائية.
فبعضها ذاكرة، وبعضها تفسير لغوي، وبعضها قراءة تاريخية، وبعضها رأي شخصي. وقيمة الباحث ليست في جمع الروايات فقط، بل في معرفة درجة قوة كل رواية.
ومن أهم الأمثلة على ذلك أصل اسم خانقين.
فقد ظهرت تفسيرات مختلفة للاسم في الكتابات المحلية والتاريخية واللغوية، وربط بعض الكتّاب الاسم بأصول لغوية أو تاريخية مختلفة.
والبحث العلمي الدقيق يجب أن يجمع أقدم الصيغ النصية للاسم في الوثائق والجغرافيا القديمة، ثم يتتبع تطورها الصوتي واللغوي عبر القرون، بدلًا من اعتماد تفسير واحد لمجرد شيوعه في الذاكرة الشعبية.
والشيء نفسه ينطبق على اسم الوند.
فوجود النهر ثابت جغرافيًا وتاريخيًا، لكن تفسير أصل الاسم يحتاج إلى مقارنة لغوية بين اللغات التي تعاقبت على المنطقة: الفارسية والكردية والعربية والتركية وغيرها، مع دراسة أقدم النصوص التي سجلت الاسم.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الادعاءات التي تربط بعض أحياء خانقين بقصور قديمة أو بشخصيات تاريخية معينة.
فالذاكرة المحلية قد تكون محتفظة بجزء صحيح من الحقيقة، لكنها تحتاج إلى سند أثري أو وثيقة أو نص تاريخي مستقل لتحديد الزمن والشخصية.
وهذه المنهجية مهمة جدًا إذا كان الهدف إصدار كتاب موثق عن خانقين.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن أحد أكثر الموضوعات إثارة في كتابات الهرمزي هو مفهوم المدينة المتعددة.
فهو يرى خانقين مساحة تجمع التركمان والكرد والعرب والآشوريين والكلدان، ويتحدث عن علاقات السكان وعن شعوره الشخصي بخصوصية العلاقات بينهم.
وهذه الشهادة تستحق أن تُدرس مع سجلات السكان والمدارس والدوائر الرسمية وسجلات الطوائف والمجالس البلدية، إن أمكن الوصول إليها، لأن تلك الوثائق يمكن أن تحول الذاكرة من شهادة فردية إلى صورة اجتماعية أوسع.
كما يمكن أن تكون أسماء العائلات التي يذكرها الهرمزي مدخلًا مهمًا لبحث مستقل في الأنساب المحلية والهجرة والاستقرار والتداخل بين العائلات.
لكن يجب عدم اعتماد النسب أو الأصل العشائري من رواية واحدة.
فالأنساب من أكثر المجالات التي تحتاج إلى سجلات عائلية ووثائق شرعية ووقفية وعقود زواج وملكية وسجلات عثمانية وعراقية.
ويمكن أيضًا دراسة خانقين من خلال مؤسساتها.
فالمدرسة تكشف مستوى التعليم.
والمسجد يكشف البنية الدينية.
والسوق يكشف الاقتصاد.
والخان يكشف التجارة.
والسينما تكشف الثقافة الحديثة.
والملعب يكشف الحياة الرياضية.
والجسر يكشف البنية التحتية.
والنهر يكشف الزراعة والحياة اليومية.
والمحطة تكشف الاتصال بالعالم الخارجي.
والحدود تكشف السياسة.
وهكذا تتحول المدينة إلى كتاب مفتوح.
ومن هنا فإن كتابات ديار الهرمزي، رغم كونها في جانب كبير منها كتابات ذاكرة، توفر مادة ثمينة جدًا لهذا النوع من التاريخ الاجتماعي.
وفي النهاية، يمكن النظر إلى خانقين باعتبارها مدينة تشكلت عبر التفاعل بين الجغرافيا والتاريخ والإنسان.
فالوند أعطاها الماء والحياة.
والطريق أعطاها الاتصال.
والجسر أعطاها العبور.
والسوق أعطاها الحركة التجارية.
والحدود أعطتها موقعًا سياسيًا حساسًا.
والتنوع السكاني أعطاها ثراءً ثقافيًا.
والأحياء أعطتها ذاكرتها الداخلية.
والمدارس والمساجد والكنائس والمؤسسات أعطتها ملامحها الاجتماعية.
أما أهلها فأعطوها المعنى.
ولهذا تبدو العبارة التي كتبها ديار الهرمزي عن خانقين، حين وصفها بأنها أرضه وتاريخه وحضارته وثقافته ومدرسته وجذوره وهويته، مفتاحًا لفهم البعد العاطفي في كتاباته.
فهذه ليست صياغة جغرافية، وإنما تعبير عن علاقة الإنسان بالمكان.
لكن قيمتها التاريخية تصبح أكبر عندما تُوضع بجانب الوثيقة، لا عندما تحل محل الوثيقة.
إن خانقين التي تظهر من خلال المصادر ليست مدينة ذات تاريخ واحد، وإنما مدينة تراكمت فيها طبقات متعددة من التاريخ:
طرق قديمة، وحدود إمبراطوريات، وإدارة عثمانية، وتجارة بين الشرق والغرب، وعشائر وقرى، وسكان متنوعون، ومؤسسات دينية وتعليمية، وحرب عالمية، وإدارة بريطانية، ونشوء الدولة العراقية، ثم تحولات سياسية واجتماعية عميقة خلال القرن العشرين.
ومن هذه الزاوية، فإن أفضل طريقة لكتابة تاريخ خانقين هي الجمع بين تاريخ الوثيقة وتاريخ الذاكرة.
تاريخ الوثيقة يخبرنا بما حدث كما سجلته الإدارات والمؤسسات والرحالة والمؤرخون.
وتاريخ الذاكرة يخبرنا كيف عاش الناس تلك الأحداث وكيف تذكروها.
وعندما يجتمع الاثنان يمكن أن تظهر لنا خانقين بصورة أكثر اكتمالًا:
ليست مجرد مدينة حدودية، ولا مجرد مدينة تركمانية أو كردية أو عربية، ولا مجرد محطة على طريق بغداد–كرمانشاه، وإنما مدينة تاريخية متعددة الطبقات، صنع موقعها الجغرافي جزءًا من مصيرها، وصنع سكانها ثقافتها وذاكرتها.
المصادر والمراجع الأساسية
ديار الهرمزي، «الأحياء والمحلات القديمة في خانقين»، الحوار المتمدن، العدد 7465، 17 كانون الأول/ديسمبر 2022.
وهو مصدر أساسي لدراسة الذاكرة المحلية وأسماء الأحياء والشوارع والمساجد والأسواق والعائلات والحياة الاجتماعية في خانقين.
ديار الهرمزي، «جسر الوند (كوپري) رمز أثري في خانقين»، الحوار المتمدن، العدد 7604، 7 أيار/مايو 2023.
وهو مصدر مهم في موضوع الجسر والوند والذاكرة العمرانية للمدينة، مع ضرورة مقارنة تواريخ بناء الجسر وتفاصيله مع المصادر الهندسية والأرشيفية.
ديار الهرمزي، «خانقين لؤلؤة التاريخ»، الحوار المتمدن، 2024، ويتناول الموقع التاريخي والتجاري والاستراتيجي للمدينة.
ديار الهرمزي، «خانقين مدينة التاريخ والثقافة»، الحوار المتمدن، 2024، ويتناول تاريخ المدينة وثقافتها وتنوعها الاجتماعي.
فاضل كريم أحمد، «خانقين خلال ربع قرن 1900–1925».
نُشرت الدراسة أصلًا في جريدة التآخي في منتصف حزيران 1973 على ست حلقات، ثم أعيد نشرها لاحقًا. وهي من أهم الدراسات الحديثة التي تناولت تاريخ خانقين في مطلع القرن العشرين.
British Library, India Office Records, IOR/L/PS/20/250, Reports of administration for 1918 of divisions and districts of the occupied territories in Mesopotamia. Volume I.
وهو ملف أرشيفي أساسي لدراسة خانقين في نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية الإدارة البريطانية، ويتكون من 231 ورقة، ويتضمن تقارير خاصة بخانقين.
Qatar Digital Library، النسخة الرقمية من الملف البريطاني IOR/L/PS/20/250، وتضم الصور الرقمية للنصوص الأصلية وتقارير الإدارة البريطانية عن خانقين.
ياقوت الحموي، «معجم البلدان»، وهو من أهم المصادر الجغرافية العربية التي ينبغي فحصها عند دراسة أسماء المواضع والطرق والمدن القديمة في العراق والمناطق المجاورة.
اليعقوبي، «كتاب البلدان»، وهو من المصادر الجغرافية المبكرة المهمة لدراسة التنظيم الجغرافي والسياسي للعراق والطرق.
ابن خرداذبه، «المسالك والممالك»، من المصادر الأساسية لدراسة الطرق والمواصلات والمحطات التجارية في العالم الإسلامي.
المقدسي، «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»، وهو مصدر جغرافي مهم لفهم المدن والأقاليم وشبكات الاتصال في العصر الإسلامي.
البلاذري، «فتوح البلدان»، وهو مصدر أساسي لدراسة الفتح الإسلامي والإدارة المبكرة للبلاد العراقية.
عباس العزاوي، مؤلفاته في تاريخ العراق وعشائره، وهي مهمة بصورة خاصة لدراسة التاريخ السياسي والاجتماعي للعراق في العهدين العثماني والحديث.
عبد الرزاق الحسني، مؤلفاته في تاريخ العراق السياسي الحديث، وهي مهمة لدراسة الانتقال من العهد العثماني إلى الدولة العراقية الحديثة.
Claudius James Rich, Narrative of a Residence in Koordistan, and on the Site of Ancient Nineveh،
وهو من مصادر الرحلات الأوروبية المهمة للمنطقة خلال القرن التاسع عشر، مع ضرورة قراءته ضمن سياق الرحلات الأوروبية في ذلك العصر.
السالنامات العثمانية لولاية بغداد، ووثائق الأرشيف العثماني المتعلقة بولاية بغداد وخانقين والحدود العثمانية الإيرانية، وهي من أهم المصادر الأولية التي ينبغي الرجوع إليها لتثبيت الوضع الإداري والاقتصادي والعسكري لخانقين خلال القرن التاسع عشر.
وثائق معاهدة أرضروم الثانية 1847 والوثائق الحدودية العثمانية الإيرانية المرتبطة بها، وهي ضرورية لدراسة تطور الحدود وموقع خانقين في المجال الحدودي بين الدولتين العثمانية والإيرانية.
ويجب أن تظل هذه المراجع مرتبة بحسب قوتها في كل موضوع:
فالوثيقة الأصلية أقوى في إثبات واقعة إدارية محددة، والدراسة الأكاديمية أقوى في التحليل، والمصدر الجغرافي القديم مهم لإثبات استعمال الأسماء والطرق في زمنه، أما الذاكرة المحلية فهي بالغة الأهمية في التاريخ الاجتماعي، لكنها تحتاج إلى المقارنة والتحقق عندما تتناول تواريخ أو أحداثًا قديمة.
وبهذه الطريقة يمكن أن يصبح تاريخ خانقين أكثر من مجرد سرد للأحداث؛ يصبح دراسة متكاملة للمدينة، من الوند والجسر والطريق والسوق، إلى الحي والعائلة والمدرسة والجامع، ومن التجارة والحدود إلى الثقافة والذاكرة، ومن الوثيقة العثمانية والبريطانية إلى شهادة أبناء المدينة وكتابات ديار الهرمزي.

1 تعليقات
💐🎀🎀🎀🎀🎊
ردحذف