عراق

سمن گول.. امرأة صنعت حياتها بيديها





حكاية الأيام (57)

بقلم: وجدي نيازالدين أكبر

حين كنت صغيراً، كنت أرى كبار السن من معمّري مدينتنا طوزخورماتو يرشدون الشباب العاطلين إلى البحث عن العمل، ويرددون بالتركمانية: «إيش آدامون جوهَريدي»، ومؤداها: «العمل جوهر الإنسان».

فالإنسان الذي يكدّ ويسعى وراء رزقه يحفظ كرامته ويصون أسرته من الحاجة، وقد ارتبط العمل في الذاكرة الشعبية دائماً بالعزة والاستغناء عن سؤال الناس.

ومن بين الحكايات التي بقيت في ذاكرة طوزخورماتو، تبرز قصة امرأة استثنائية بدأت العمل وهي في الخامسة عشرة من عمرها، وحملت مسؤولية أسرتها في ظروف قاسية، إنها:

سمن گول رضا محمد علي بوشناق

ولدت سمن گول عام 1927م، ووالدتها هيبت زين العابدين، شقيقة حسن النجار بللو أوغلو. وكان جدها الرابع ضابطاً في الجيش العثماني من قبيلة بوشناق، قدم إلى طوزخورماتو وتزوج امرأة تركمانية، فامتدت ذريته من ابنه محمد، ثم ولده رضا، والد سمن گول.

كان والدها، المعروف بـدنيا محمد رضا، يعمل في زراعة المحاصيل الصيفية قرب نهر آق صو، فيما كان يسمى «جاي بوستاني» أسفل جبال مرسى علي. وكانت سمن گول تلازم أباها وتسانده في عمله منذ بزوغ الفجر حتى غسق الليل، من دون كلل أو ملل.

وفي عام 1942م توفي والدها، المولود عام 1902، عن عمر ناهز الأربعين عامًا. ومنذ ذلك الحين حملت سمن گول على عاتقها جانباً كبيراً من مسؤولية البيت والأسرة.

من النسيج إلى الجبال

كان أول عمل مارسته بعد وفاة والدها مهنة النسج، التي كانت تعرف بالتركمانية باسم «جلحة». وبنشاطها وعلاقاتها الواسعة انتقلت بعد ذلك إلى واحدة من أشق المهن في ذلك الزمن: مهنة الحجارة «قايه جي».

وكانت مهنة الحجارة واسعة الانتشار في طوزخورماتو خلال أربعينيات القرن الماضي؛ إذ كانت جبال المنطقة مقلعاً للصخور المستخدمة في بناء البيوت وإعداد الجص.

عملت سمن گول إلى جانب الرجال في هذه المهنة الشاقة قرابة خمسة عشر عاماً ، ومن زملائها: علي عبوش، حسين قره ناز، أحمد قره ناز، أحمد قايه جي، رشيد آل رحمة، محمد خورشيد جاوش وغيرهم.

وكان تجهيز الأحجار من سفوح الجبال يتطلب جهداً كبيراً؛ إذ كانت الصخور تثقب وتملأ بالبارود ثم تُفجّر من مسافة آمنة بفتائل خاصة. وفي مطلع خمسينيات القرن الماضي، وقعت مأساة حين أصابت قطعة متطايرة من الصخور علي عبوش في رأسه، فأودت بحياته.

وعلى الرغم من خطورة العمل، واصلت سمن گول مهنتها، بل أخذت أخاها الصغير للعمل معها. إلا أن شظية كبيرة من الحجارة كادت في إحدى المرات أن تصيب أخاها علي، فقررت عندها ترك المهنة، وقالت إن الحجارة المتطايرة لا تميّز الصديق من العدو.

وكان ذلك عام 1957م.

«قيز سمنه دوكاني»

بعد تركها العمل في الجبال، افتتحت سمن گول محلا لبيع المواد العطارية والغذائية واللوازم المدرسية وسط منطقة كوچك بازار. وسرعان ما ذاع صيت المحل بين الأهالي، وأصبح معروفاً باسم:

«قيز سمنه دوكاني»

كانت تبدأ عملها منذ الفجر وتبقى في محلها حتى وقت متأخر من الليل، واشتهرت بحسن الخلق وطيب اللسان وخفة الظل وحسن التعامل مع الناس. كما تحول محلها إلى مكان يقصده العديد من وجهاء طوزخورماتو وشخصياتها المعروفة.

ويروي الكاتب أنه تعرّف إليها عندما التحق بمدرسة النهضة في العام الدراسي 1965–1966م، إذ كان يمر يوميا أمام محلها ويشتري منها جلود الكتب والقرطاسية.

ومن الطرائف التي روتها سمن گول أن الفنان محمد مهدي آق صو كان جالسا معها ذات صباح، وأخذ يرسم على ورقة لماعة. وبعد نحو ساعة أعطاها ما رسمه على هيئة نصف دينار، فوضعتها بين نقودها معتقدة أنها عملة حقيقية، ولم تنتبه إلى أنها رسم إلا بعد أن ذكّرها الفنان بذلك؛ في حكاية تدل على دقة فنه ومهارته.

يدٌ امتدت إلى الآخرين

لم يكن نجاح سمن گول في التجارة مقتصراً عليها وحدها، بل كانت حريصة على مساعدة المقربين منها.

فحين أصيب شاكر تازه لي في حادث أثناء عمله في بناء سد دوكان في خمسينيات القرن الماضي، ساعدته بعد شفائه على افتتاح محل لبيع المواد العامة، وظلت شريكة معه حتى عام 1975م.

وكانت لها ثلاث أخوات: نورية زوجة شاكر أفندي، وسكينة زوجة حسين قره ناز، وفكرية زوجة الشرطي علي قره تبه لي.

وبعد وفاة زوج أختها فكرية في حادث سيارة وتركه أطفالاً صغارا ، اشترت سمن گول بقرة وأهدتها إلى أختها لتكون لها مصدر رزق؛ فكانت فكرية تحلبها وتبيع منتجاتها لتعين نفسها على تربية أولادها.

ومع تحسن حالتها المادية، دخلت سمن گول في شراء سيارات الحمل مع أقاربها؛ فاشترت سيارة إنترناشونال بالشراكة مع ابن خالتها عبدين قودوغ نالي، كما اشترت لأخيها علي شاحنة سكانيا ليعمل بها، حتى اشتهر لاحقا بلقب «علي سكانيا». أما أخوها الأكبر فكان معروفًا باسم «جاسم شوفل» نسبة إلى عمله سائقًا للشفل.

شخصية بقيت في ذاكرة المدينة

تعرضت سمن گول خلال حياتها إلى مواقف اجتماعية عديدة بسبب ارتدائها زي الرجال وطبيعة الأعمال التي اختارت ممارستها، لكنها واصلت حياتها وعملها بالطريقة التي عُرفت بها بين أهالي المدينة.

وفي عام 1979م أدت فريضة الحج، كما عُرفت بوفائها الشديد لوالدتها وأخواتها وأقاربها.

واصلت سمن گول العمل في محلها طوال سنوات حياتها، ولم تتركه إلا قبل نحو عشرة أيام من وفاتها في تموز عام 1994م، عن عمر بلغ 67 عاماً ، وووري جثمانها الثرى في مقبرة وادي السلام في النجف الأشرف.

لم تتزوج سمن گول ولم تُرزق ذرية، لكنها تركت وراءها سيرة بقيت حاضرة في ذاكرة من عرفوها؛ سيرة امرأة بدأت العمل في سن مبكرة، وخاضت مهنا شاقة، وأعانت أسرتها وأقاربها، وصنعت لنفسها مكانا في الذاكرة الاجتماعية لطوزخورماتو.

رحم الله سمن گول رضا محمد علي بوشناق، ورحم جميع الراحلين.

هذا ولكم مني أطيب التحيات.

وجدي نيازالدين أكبر

إرسال تعليق

0 تعليقات