عراق

بلقيس بياتلي: مستمرون بالعطاء لأجل إعلاء الفن التركماني الأصيل ما دام فينا نبض




حاورتها: نوران أرسلان

من طوز خورماتو، ومن نشاطات المدرسة الأولى، بدأت ملامح علاقة مبكرة بالفن، قبل أن تقودها المصادفة بعد سنوات إلى خشبة المسرح، ومنها إلى مهرجان مرسين في تركيا، ثم إلى تجارب مسرحية وتلفزيونية متعددة، صنعت من خلالها الفنانة بلقيس ولي عباس البياتي، المعروفة فنياً باسم «بلقيس بياتلي»، حضوراً في المشهد الفني التركماني.

مسيرة لم تقتصر على الوقوف أمام الجمهور والكاميرا؛ فقد جمعت بين التربية والفن، ونقلت شغفها في مرحلة من حياتها إلى طالباتها، ثم خاضت تجربة العمل ضمن الفرق الفنية، وصولاً إلى تسخير منزلها مقراً لفرقة فنية عملت بإمكانات أعضائها الخاصة.

في هذا الحوار، تفتح بلقيس بياتلي صفحات من حياتها الشخصية والفنية، وتتحدث عن طفولتها وبداياتها، وتجربتها في مهرجان مرسين، وعلاقتها بالفنان والمخرج علي عبدالباقي، وقلّة الوجوه النسائية في الفن التركماني، كما تتحدث بصراحة عن واقع المسرح والدخلاء إلى الوسط الفني، وعن حلمها بمسرح ومركز ثقافي يليقان بتاريخ الفن التركماني.


📌 بدايةً، من هي بلقيس بياتلي بعيداً عن خشبة المسرح والكاميرا؟

_أنا من سكنة قضاء طوز خورماتو، ومسقط رأسي في محلة ملا صفر، وأنا أصغر أبناء وبنات العائلة، وتسلسلي الخامسة. وُلدت يتيمة الأب، إذ فقدت والدي وأنا في عمر ستة أشهر، فنشأت في أحضان أمي.

دخلت المدرسة الابتدائية في الطوز، وأكملت المرحلة المتوسطة أيضًا، ثم قُبلت في دار المعلمات في محافظة صلاح الدين، وكان حينها قد تم فصل قضاء الطوز عن محافظة كركوك وإلحاقه بمحافظة صلاح الدين.

وبعد تخرجي من دار المعلمات بتفوق، وكوني من العشرة الأوائل، تم قبولي في جامعة بغداد – قسم العلوم التربوية والنفسية.

📌 متى بدأت علاقتكِ بالفن والتمثيل؟ وهل تتذكرين أولى خطواتكِ على خشبة المسرح؟

_منذ صغري، وأنا طالبة في المرحلة الابتدائية، كنت نشيطة وجريئة، وكنت أشترك في المهرجانات الشعرية والرياضية والفعاليات التي كانت تُقام داخل المدرسة وخارجها.

كانت أول مشاركة لي في المسرح عندما كنت في الصف الرابع الابتدائي، مع مجموعة من الطالبات والطلاب، وبإشراف الأستاذ الفاضل زين العابدين حسيب، من أهالي كركوك، وكان حينها يعمل في إحدى مدارس الطوز.

بعدها استمررت في النشاطات إلى حين تخرجي من الجامعة، وبعد تعييني توقفت عن العمل الفني.

لكنني بدأت بالاهتمام بطالباتي، وشكّلت فرقة فنية للأناشيد الوطنية والأغاني التراثية، وشاركنا في عدة مناسبات خارج المدرسة.

📌 كانت فرقة نادي الإخاء التركماني من المحطات الأولى في مسيرتكِ؛ فكيف بدأت علاقتكِ بها؟

_انتمائي إلى فرقة نادي الإخاء التركماني جاء عن طريق المصادفة. أخبرتني إحدى الزميلات بأن هناك فرقة في النادي بحاجة إلى عنصر نسوي للمشاركة في عرض مسرحي في ولاية مرسين بتركيا، فاشتركت معهم.

ونلت تشجيعاً واسعاً من رئيس نادي الإخاء الأستاذ المهندس عبدالخالق، ونائبه الأستاذ الفاضل أيوب آق قوينلو.

كما تعرفت إلى مجموعة من الفنانين التركمان، من ضمنهم الأستاذ الراحل آيدن قصاب.

📌 شاركتِ في مهرجان مرسين المسرحي في تركيا؛ كيف تتذكرين تلك التجربة، وماذا أضافت إلى مسيرتكِ؟

_مشاركتي في مهرجان مرسين كانت خطوة جبارة بالنسبة إليّ؛ لأنني تعرفت على أعمال ضخمة وفنانين كبار من العالم التركي.

وقد نال عملنا المسرحي إعجاب الحاضرين، وجعلتنا هذه التجربة أيضاً  نشخّص مواطن القوة والضعف في طريقة أدائنا.

📌 انتقلتِ بعد ذلك إلى فرقة اتحاد الفنانين، ثم عملتِ مع الفنان والمخرج علي عبدالباقي، وصولاً إلى تأسيس فرقة «صنعت يلدزلاري»؛ كيف جرت هذه التحولات في مسيرتكِ؟

_بعد انتقالي إلى فرقة اتحاد الفنانين لم يتغير في تاريخي الفني شيء، سوى حصولي على دعم مادي بسيط شهرياً، وعملت معهم لمدة سنتين.

بعدها تركت الفرقة، وبدأت العمل مع الفنان الكبير والمخرج علي عبدالباقي، صاحب حلقات «عالي دورسون»، فتعلمت منه الكثير والكثير من الأسرار والمبادئ الفنية، وله الفضل الكبير في تقديم الدراما والكوميديا التركمانية إلى الأمام.

وبعد مشاركتي معه، قدمت عددا من الفنانين من قضاء الطوز وكركوك إليه، حيث شاركوا في حلقات «عالي باشي بالالي».

وبما أن الأستاذ علي عبدالباقي من سكنة محافظة أربيل، وكان يصعب علينا الذهاب إلى أربيل لتصوير الحلقات، سخّرت داري، البالغة مساحتها نحو 200 متر مربع، لتكون مقراً لفرقتنا الجديدة «صنعت يلدزلاري».

وعملنا على حسابنا الخاص، وفتحنا قناة على تطبيق يوتيوب، وأحيانا كنا نعرض أعمالنا على فضائية تركمان إيلي.

📌 ماذا بقي في ذاكرتكِ من تجربة «عالي باشي بالالي»، وكيف استقبل الجمهور تلك الأعمال؟

_كل شيء جميل ظل في ذاكرتي؛ منها تضحيتنا بالذهاب إلى أربيل قبل يوم التصوير بيوم، ومناقشتنا للنصوص في جلسة جماعية، وتشجيع الأستاذ آزاد كورجي لنا ودعمه، وجعل مقر مكتبه تحت خدمتنا لتصوير أعمالنا.

كما بقيت في ذاكرتي زيارة الفنانين المبدعين لنا، أمثال الفنان الكبير صاحب تلحين المارش التركماني الأستاذ مغديد شيخ أوغلو، وعدد من الشعراء والإعلاميين آنذاك.

ومن المؤكد أن المشاهد العراقي عموما ، والتركماني بصورة خاصة، استقبل هذه الحلقات بكل إعجاب وتقدير، والدليل على كلامي مشاركة أعمالنا ومقاطع منها على صفحات الجمهور في تطبيقات تيك توك وإنستغرام وغيرها.

📌 بين المسرح والتلفزيون، أين تجد بلقيس بياتلي نفسها أكثر؟

النشاط المسرحي ضعيف جداً في كركوك، ولذلك أجد نفسي أكثر في الأعمال التلفزيونية.

📌 نلاحظ قلّة الوجوه النسائية في المسرح والدراما التركمانية مقارنة بالحضور الرجالي؛ من واقع تجربتكِ، إلى ماذا تعزين ذلك؟

_المجتمع التركماني مجتمع متحضر ومثقف، ولكن قلة الفرص والإنتاج والدعم المادي هي السبب في ذلك.

📌 هل شعرتِ في مرحلة من مسيرتكِ أنكِ تحملين مسؤولية مضاعفة، كونكِ واحدة من الوجوه النسائية القليلة التي واصلت حضورها في الساحة الفنية التركمانية؟

_نعم، تحملت مسؤولية مضاعفة جداً جداً عندما اشتهرت أعمالنا وأصبح متابعونا ومعجبونا كثيرين.

تقيّدت في تصرفاتي كثيرا، وأصبحت أحسب ألف حساب في خطواتي في المجتمع. ولا أخفي عليكم، لا أدخل إلى أي محفل أو دائرة حكومية، ولا أسير في الشارع، إلا وأواجه تقديراً  واسعاً من الجمهور الكريم.

وبالمقابل، يجب أن أحافظ على سمعتي الفنية والاجتماعية كي لا أخذل جمهوري الكريم، ليس لأجلي فقط، بل لأجل بلدي وقوميتي، ولنقابة الفنانين التي أنا إحدى عضواتها، وهي بدورها تابعة إلى وزارة الثقافة.

📌 هل واجهتِ في بداياتكِ اعتراضات أو انتقادات بسبب اختياركِ التمثيل؟ وكيف تعاملتِ معها؟

_نعم، واجهت انتقادات واعتراضات كثيرة، ولكن بفضل تشجيع الفنانين والمسؤولين لي، وتشجيع جمهورنا الراقي وإعجابه بما نقدمه، استطعت أن أتخطى هذه المرحلة من الصعوبات بسرعة فائقة.

ومع نجاح أعمالنا الهادفة، تحول النقد إلى الإعجاب والتشجيع.

📌 الفنان الذي يراه الجمهور على الشاشة قد يكون مختلفاً في حياته الخاصة؛ إلى أي مدى تشبه بلقيس الإنسانة بلقيس الفنانة التي يعرفها الجمهور؟

حياتي الاجتماعية مقاربة لحياتي الفنية وللأدوار التي أؤديها.

في حياتي الاجتماعية لا أتحمل التصرف الخاطئ، ولا أسكت عنه، ولا أقبل بالظلم.

وفي حالات السلم تجدونني هادئة، محبة للخير، ومدافعة عن المظلومين، ولا أرضى أن أكون مسيّرة إلا لقوانين الدولة.

📌 حصلتِ خلال مسيرتكِ على

 تكريمات عديدة داخل العراق وخارجه؛ أي تكريم بقي الأقرب إلى قلبكِ؟

جميع التكريمات جاءت باستحقاقي الفني، وليس عن طريق التأثيرات الجانبية، وأقدم شكري وتقديري للجهات التي كرمتني ورفعت من شأني.



📌 إلى جانب كونكِ فنانة، أنتِ أم، وقد كُرّمتِ أيضاً بوصفكِ أماً مثالية؛ كيف استطعتِ الموازنة بين الأسرة والوظيفة والعمل الفني؟

_لم يؤثر الفن على حياتي اليومية إطلاقاً. فبمجرد التنسيق والتضحية بين حياتي اليومية والوظيفية والعمل الفني، تسير الأمور في مجراها الصحيح.

📌 بعد هذه السنوات من التجربة، كيف تنظرين إلى واقع المسرح والفن التركماني اليوم؟ وما الذي يحتاج إليه للنهوض من جديد؟

_واقع المسرح مرير جداً، ليس في قوميتنا فحسب، بل في العراق بصورة عامة؛ إذ تراجعت النشاطات والفعاليات الفنية في العراق.

ولأجل النهوض بالفن التركماني، يجب توفير دعم مادي ضخم، وتسليم الفن بيد أصحابه، وإزالة الدخلاء من هذا العالم الجميل كي لا يمحوا ما تبقى من معالمه وملامحه.

📌 لو مُنحتِ اليوم حرية اختيار دور جديد، فما الشخصية أو القضية التي تتمنين تجسيدها؟

_أتمنى تجسيد دور أمهات الشهداء، وأدوار النساء الخالدات في تاريخ التركمان، أمثال الفنانة كركوك قيزي، والفنانة صديقة الملاية، التي هي من أصل تركماني ومن سكنة القلعة، حسب ما سمعت.

📌 قلتِ: «مستمرون بالعطاء لأجل إعلاء الفن التركماني الأصيل ما دام فينا نبض»؛ بعد كل هذه السنوات، ما الحلم الفني الذي لا يزال ينتظر بلقيس بياتلي؟

_أمنياتنا كثيرة، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

_أولاً وقبل كل شيء، يجب توفير مركز ثقافي وبناء مسرح يليق بنا وبتاريخنا الفني، وإقامة مهرجانات مسرحية ودعوة الفرق الفنية من داخل العراق وخارجه.

كما أتمنى مشاركتنا الفعالة في المهرجانات الدولية لتعريف الجمهور بأصالة الفن التركماني.

وأتمنى ألا يحقد علينا الدخلاء إلى الفن بسبب نجاح أعمالنا. الساحة موجودة للجميع، فكل فرقة تقدم أعمالها، والجمهور هو الحد الفاصل بيننا.

الجعجعة ليست من صفات المحب لقوميته، بل عدو لدود لها.

وكما يقول المثل:

«إنطي الخبر لخبازه».

وفي الختام، أشكر الأستاذة نوران أرسلان على اهتمامها بالفن والفنانين. أسئلتكِ في محلها، وكأنكِ تعيشين في داخلي.


بلقيس بياتلي في سطور

الاسم الكامل: بلقيس ولي عباس البياتي
الاسم الفني: بلقيس بياتلي
مسقط الرأس: قضاء طوز خورماتو – محلة ملا صفر
التحصيل الدراسي: خريجة دار المعلمات بتفوق ومن العشرة الأوائل، ثم قُبلت في جامعة بغداد – قسم العلوم التربوية والنفسية.
العضوية: عضو نقابة الفنانين.

بدأت علاقتها بالفن منذ المرحلة الابتدائية، ووقفت على خشبة المسرح للمرة الأولى وهي في الصف الرابع الابتدائي، بإشراف الأستاذ زين العابدين حسيب. واستمرت في النشاطات الفنية حتى تخرجها الجامعي، قبل أن تتوقف فترة بعد تعيينها وتتجه إلى تأسيس فرقة فنية لطالباتها للأناشيد الوطنية والأغاني التراثية.

عادت لاحقا إلى النشاط الفني من خلال فرقة نادي الإخاء التركماني، وشاركت معها في مهرجان مسرحي في ولاية مرسين التركية، ثم انتقلت إلى فرقة اتحاد الفنانين وعملت معها لمدة عامين.

وشكل تعاونها مع الفنان والمخرج علي عبدالباقي محطة مهمة في تجربتها، إذ شاركت في أعماله وتقول إنها تعلمت منه الكثير من أسرار ومبادئ العمل الفني.

كما شاركت في تأسيس فرقة «نجوم الفن – صنعت يلدزلاري»، وسخّرت منزلها ليكون مقرًا للفرقة، التي عملت بإمكاناتها الخاصة وأطلقت قناة على يوتيوب، إلى جانب عرض بعض أعمالها على فضائية تركمان إيلي.

ومن أبرز تجاربها التلفزيونية حلقات «عالي باشي بالالي» التي عُرضت على شاشة الفضائية التركمانية العراقية، إلى جانب حلقات رمضانية بعنوان «باشي بالالي عزت» عُرضت على شاشة فضائية تركمان إيلي.

مشاركات وتكريمات

حظيت بلقيس بياتلي خلال مسيرتها بعدد من المشاركات والتكريمات، من بينها:

  • المشاركة في مهرجان المسرح التركي في ولاية مرسين – تركيا، وتكريمها خلال المهرجان.
  • تكريم من وزير الثقافة السابق الأستاذ محمد جاسم.
  • تكريم من رئيس الجبهة التركمانية – فرع طوز خورماتو، هيثم هاشم مختار أوغلو.
  • تكريم من رئيس منظمة المجتمع المدني التابعة للجبهة التركمانية، الراحل حسين بهاء الدين.
  • تكريم من كادر برنامج «60 دقيقة»، الذي كانت تقدمه الإعلامية دنيا آوجي على شاشة الفضائية التركمانية العراقية.
  • تكريم من منظمة دنيز لنساء التركمان، من قبل رئيسة المنظمة قدرية ضيائي.
  • تكريم من البيت الثقافي في كركوك بمناسبة يوم المرأة.
  • تكريم من منظمة فرنسية مقرها القاهرة – مصر، بوصفها أفضل شخصية مؤثرة في المجتمع.
  • تكريم من المنظمة ذاتها بوصفها أفضل أم مثالية.
  • منحها شهادة دكتوراه فخرية من المنظمة الفرنسية ذاتها.
  • تكريم من قبل رئيس برلمان إقليم كردستان، بإشراف عضو البرلمان التركماني الأستاذ آزاد كورجي.
  • تكريم من مؤسسة الفنار للثقافة والتنمية.

وبعد مسيرة جمعت فيها بين التربية والمسرح والتلفزيون، تختصر بلقيس بياتلي علاقتها بالفن وما تطمح إليه بقولها:

«مستمرون بالعطاء لأجل إعلاء الفن التركماني الأصيل ما دام فينا نبض».

إرسال تعليق

1 تعليقات

  1. فن تناغم معها وشخصيتها وكلامها كلها فن وابداع 💐🎀

    ردحذف