عراق

المعلم.. سؤال مؤجل في ضمير الحضارة



بقلم: الدكتور الصحافي عبدالقادر بشير بابان
كركوك / 1 أيلول 2026

حين قال أمير الشعراء: «قم للمعلم وفِّه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولا »، لم يكن يجامل؛ كان يقرر حقيقة. فالرسول يبلّغ وحيًا، والمعلم يبلّغ عقلًا، وكلاهما ينتشل الإنسان من ظلام الجهل إلى نور الفهم.

المعلم هو أول من يزرع فينا سؤال: «لماذا؟». قبل الطبيب والمهندس والقاضي والوزير، كان هناك معلم علّمهم الحروف. هو النبض الذي يضخ المعرفة في شرايين الأمة؛ إن ضعف النبض، مرض الجسد كله.

باني الأجيال لا يبني بالطوب؛ يبني بالصبر. يعيد الشرح للمرة العاشرة بابتسامة، ويمسح دمعة طالب فاشل ويقول له: «ستنجح»، ويكتشف موهبة مدفونة في مقعد متأخر ويصرخ بها للعالم، ويحمل همّ وطن كامل في طباشيرة ودفتر تحضير.

لكن تعالوا نسأل أنفسنا بصدق: هل وفيناه حقه؟ هل راتبه يكفيه كي لا يفكر في لقمة العيش وقت الحصة؟ هل مكانته في المجتمع تليق بمن يصنع كل المكانات؟ هل مناهجنا تمنحه الحرية ليبدع، أم تحبسه في أوراق وتقارير؟

نكرمه في عيد، وننساه 364 يوماً . نصفق له في الإذاعة، ونحمّله مسؤولية فشل منظومة كاملة.

الأمم لا تُقاس بعدد ناطحات السحاب، بل بمكانة معلميها. اليابان نهضت باحترام المعلم، وفنلندا تصدرت التعليم بتقدير المعلم، أما نحن فما زلنا نسأل: لماذا هاجر الأذكياء؟

المعلم ليس موظفاً؛ المعلم قضية.

إن أردنا وطناً قوياً، فلنبدأ من الفصل: زدنا راتبه، وصُنّا هيبته، وحررنا عقله، واستمعنا إلى صوته.

وقبل أن نسأل أبناءنا: «ماذا تريد أن تصبح؟»، لنسأل أنفسنا أولاً : ماذا فعلنا لمن علّمنا أن نصبح؟

تكريم المعلم ليس منّة، بل هو دَين في أعناقنا؛ فإن ضيّعناه، ضيّعنا أجيالاً.

للحديث بقية استشرافية...

إرسال تعليق

0 تعليقات