عراق

(الفساد والفوضى)


بقلم  المهندس عباس عقيل




ما زال الجدل مستمراً حول ما طرحه السيد رشيد الحسيني بشأن العلاقة بين الفساد والفوضى ولا يزال كثيرون يحاولون البحث عن المعنى الذي أراد السيد الوصول إليه من خلال كلامه
وبعد متابعة المقطع كاملاً ومتابعة الاتصال الذي أجراه السيد في برنامجه رداً على الانتقادات التي وجهت إليه بعد انتشار المقطع يمكن تلخيص دفاعه عن كلامه بأنه انطلق من قاعدة التزاحم
فبحسب ما طرحه فإن الإنسان قد يوضع أمام خيارين لا يمكن الجمع بينهما وهما الفساد والفوضى وفي حالة التزاحم يجب اختيار أحدهما وبما أن الفوضى أخطر من الفساد فإن الواجب يقتضي قبول الفساد باعتباره الضرر الأقل
وهنا تحديداً تبدأ المشكلة لأن الاستناد إلى مفهوم التزاحم لا يحل الإشكال بل يفتح سؤالاً أعمق وهو
هل العلاقة بين الفساد والفوضى علاقة تزاحم فعلاً
التزاحم لا يتحقق بمجرد وجود أمرين سيئين أمام الإنسان بل يتحقق عندما يستحيل دفعهما معاً ويصبح الإنسان مضطراً واقعياً إلى اختيار أحدهما
فإذا دخل لص إلى بيتك ووضعك أمام خيارين إما أن يسلبك مالك أو يقتلك فإننا أمام حالة تزاحم حقيقية لأنك لا تستطيع في تلك اللحظة دفع الضررين معاً وقد تضطر إلى تحمل ضرر أقل لدفع ضرر أكبر
لكن هل هذا هو شكل العلاقة بين الفساد والفوضى
الجواب لا
لأن الفساد والفوضى ليسا دائماً طرفين متقابلين بحيث يؤدي القضاء على أحدهما إلى وجود الآخر بل إن العلاقة بينهما في كثير من الأحيان علاقة سببية وتبادلية
الفساد ينتج الفوضى والفوضى تحمي الفساد
وعندما تضعف الدولة بسبب الفساد تضعف قدرتها على تطبيق القانون وعندما يضعف القانون تتوسع الفوضى وعندما تتوسع الفوضى يصبح المجتمع أكثر حاجة إلى قوى غير خاضعة للمساءلة فتزداد بيئة الفساد اتساعاً
وهكذا ندخل في دائرة مغلقة فساد ينتج فوضى وفوضى تحمي فساداً ومن هنا يصبح تصوير المسألة على أنها اختيار بسيط بين فساد من جهة وفوضى من جهة أخرى تصويراً مضللاً لطبيعة المشكلة
لأنك لا تختار دائماً بين طريقين منفصلين بل قد تكون تسير في طريق واحد يبدأ بالفساد وينتهي بالفوضى
وهنا تأتي المشكلة الثانية في كلام السيد 
فقد قيل إن الفساد يمكن تحمله لأن الفاسدين في النهاية يسرقون الأموال بينما الفوضى تجعل الإنسان غير آمن على نفسه وماله
وهذه العبارة تكشف عن فهم ضيق لمعنى المال ولآثار الفساد
لأن السؤال البسيط هو أي أموال يسرقون أليست هذه الأموال هي أموال الشعب أليست الأموال العامة التي تسرق هي الأموال التي كان يفترض أن تتحول إلى مستشفيات ومدارس وطرق وفرص عمل ومشاريع وخدمات
كيف يمكن إذن القول إن الفاسد يسرق الأموال وكأن هذه الأموال لا علاقة لها بحياة المواطن إن المال العام ليس مالاً معلقاً في السماء إنه يتحول إلى دواء أو لا يتحول إلى مدرسة أو لا يتحول إلى طريق آمن أو لا يتحول إلى فرصة عمل أو لا يتحول وكل مبلغ يسرق قد تكون نتيجته المباشرة حرمان إنسان من حق من حقوقه
ولهذا فإن الفساد لا يسرق المال فقط
الفساد يسرق العمر ويسرق الفرص ويسرق المستقبل ويسرق الأمن وقد يسرق الحياة نفسها كيف يمكن القول إن الفوضى وحدها تجعل الإنسان غير آمن على نفسه
ماذا عن الإنسان الذي يموت في مستشفى بسبب نقص العلاج أو سوء الخدمات الناتج عن الفساد
هل هذا الموت أقل حقيقة لأنه لا يحدث برصاصة في الشارع
وماذا عن الشاب الذي يقضي سنوات طويلة في الدراسة ثم يجد نفسه بلا عمل ولا فرصة ولا مستقبل بسبب منظومة أهدرت الإمكانات وأغلقت الأبواب أمامه قد لا يموت جسده لكنه قد يعيش موتاً بطيئاً

وماذا عن الإنسان الذي يفقد حياته في طريق متهالك بسبب الإهمال وسوء التخطيط وسرقة الأموال المخصصة للمشاريع
هل يختلف هذا الموت كثيراً عن الموت الذي نخافه في حالة الفوضى الفرق في الصورة فقط أما النتيجة فقد تكون واحدة هناك من يقتلك بالسلاح وهناك من يقتلك بالإهمال هناك من يسلبك مالك بالقوة وهناك من يسلبك حقك من خلال مؤسسة فاسدة هناك من يمنعك من الحياة مباشرة وهناك من يجعل الحياة نفسها مستحيلة ولهذا فإن المشكلة ليست في السؤال عن أيهما أفضل الفساد أم الفوضى وكأننا أمام امتحان نظري نختار فيه بين احتمالين مجردين المشكلة الحقيقية هي أن قبول الفساد بوصفه ثمناً للاستقرار قد يكون في كثير من الأحيان قبولاً بالبذور التي ستنتج الفوضى لاحقاً فالدولة التي تسمح للفساد بأن يصبح منظومة لا تحافظ على الاستقرار بل تستهلك أسس الاستقرار من الداخل قد يبدو المجتمع مستقراً في الظاهر لكن المؤسسات تضعف والقانون يفقد هيبته والثقة تنهار والناس تفقد إيمانها بالدولة والحقوق تتحول إلى امتيازات وعندها تصبح الفوضى ليست نقيض الفساد بل النتيجة الطبيعية له
ولهذا فإن استعمال قاعدة التزاحم هنا يحتاج أولاً إلى إثبات أن الإنسان واقع فعلاً أمام خيارين لا ثالث لهما
إما فساد أو فوضى أما إذا كان الفساد نفسه أحد أهم أسباب إنتاج الفوضى فإن الحديث عن التزاحم يصبح في غير محله لأنك لا تستطيع أن تجعل السبب والنتيجة طرفين في عملية اختيار ثم تطلب من الناس أن يقبلوا بالسبب حتى يتجنبوا النتيجة إنها تشبه أن تقول للإنسان اقبل بالنار حتى لا تحترق ثم تطلب منه أن يبحث عن الحكمة العميقة في هذا الكلام
ولهذا ليس مطلوباً من الناس أن يتركوا أعمالهم وحياتهم ويبدأوا في التنقيب عن معنى خفي وراء كل عبارة واضحة حتى لا يسيئوا الظن بصاحبها المتحدث الذي يخاطب الناس في قضية عامة يجب أن يكون واضحاً ودقيقاً لأن الكلمات في القضايا العامة ليست مجرد أصوات الكلمات تصنع تصورات والتصورات تصنع مواقف والمواقف قد تتحول إلى ثقافة عامة وحين يتحول الفساد إلى شيء يمكن تبريره باسم الاستقرار يصبح الخطر أكبر من الفساد نفسه لأن المجتمع لا يعود يرى الفساد مشكلة يجب مقاومتها
بل يبدأ في النظر إليه باعتباره قدراً يجب التعايش معه
وهنا تكون الكارثة الحقيقية ليس عندما يسرق الفاسد بل عندما ينجح في إقناع المجتمع بأن السرقة هي الثمن الطبيعي للأمان فالاستقرار الحقيقي ليس أن يعيش الإنسان بلا رصاص في الشارع بينما يموت بسبب الفساد في المستشفى وليس أن يكون الطريق آمناً من العصابات بينما يكون قاتلاً بسبب الإهمال وليس أن تحمي الدولة جيب المواطن من اللص ثم تفتح خزائن البلد أمام الفاسدين الاستقرار الحقيقي هو دولة تحمي الإنسان من الفوضى ومن الفساد معاً لأن الإنسان لا ينبغي أن يوضع أمام خيارين كلاهما طريق إلى الخسارة ولا ينبغي أن نطلب منه أن يختار الطريقة التي يخسر بها حياته ثم نسمي ذلك حكمة أو فقهاً أو تزاحماً

إرسال تعليق

0 تعليقات