بقلم: جمهور كركوكلي
في منتصف السبعينيات من القرن الفائت، كانت بداية تعارفي عليه؛ شابًا مرهفًا، مقبلًا على الحياة، يحب الموسيقى ويهوى الغناء، أنيقًا بسيطًا في ملبسه، هادئًا خجولًا.
كنت أراه يوميًا يدلف إلى الزقاق الملاصق لبيتنا في قلعة كركوك، حيث كانت تسكن أخته وزوجها وأطفالها. كان يزورها كل يوم، ويبيت عندها في أكثر الأحيان مع شقيقه أتيلا، الذي كان يصغره سنًا، لكنه كان بمثابة الظل له؛ كانا معًا دومًا، ثم استشهدا معًا، رحمهما الله.
ولمست منه توددًا نحوي، لوجود عوامل مشتركة كثيرة تجمعنا؛ فهو المنحدر من عائلة فنية وأدبية معروفة. فجده لأمه هو الأديب الكبير فهمي عرب آغا، وخاله هو عازف الساز المعروف نجاة فهمي، كما أن أفرادًا كثيرين من عائلته تربطهم بالفن والشعر أواصر وعلاقات وهوايات.
وكنت وقتها أعمل مراسلًا لمجلة الإخاء (قارداشلق) في كركوك، كما ذكرت في العدد الماضي من هذه المجلة المحترمة (توركمن إيلي)، حيث كنت أجري لقاءات مع الفنانين والأدباء والرياضيين، وأتحرى أخبارهم وأنشر نشاطاتهم في المجلة المذكورة.
ولما كان جنكيز باشا أوغلو قد بزغ نجمه حديثًا يومذاك، ودخل عالم النجومية والشهرة، كان من الطبيعي أن أقدمه للقراء ولمحبي الفن الغنائي التركماني عبر صفحات مجلة (قارداشلق)، التي كانت آنذاك النافذة الأوسع لمن يريد الاطلاع على عالم الفن والأدب والرياضة والثقافة التركمانية.
فكان أن أجريت معه لقاءً مطولًا، نُشر في العدد 7/8 من مجلة الإخاء لعام 1981، وعنونت المقالة بمانشيت:
«جنكيز باشا أوغلو... ذلك الموهوب القادم»
وبدأت أواصر الصداقة والزمالة والصحبة الأخوية تزداد بيننا يومًا بعد آخر. وكان لا يمر يوم إلا ويزورني فيه أو يهاتفني لأجل مشروع غنائي أو أدبي، أو شأن ثقافي آخر.
وقد سجلنا، أنا وهو، أكثر من كاسيت غنائي وشعري؛ إذ كان هو يعزف على آلة البزق (الساز) ويغني أيضًا، بينما أقوم أنا بإلقاء آخر رباعياتي الشعرية وقصائدي الوجدانية والحماسية.
وفي بواكير عام 1985، سجل أغنيته الشهيرة «حلوجي حلوه» في تلفزيون كركوك، والتي أعدها وأخرجها للتلفزيون المخرج الراحل صباح رشاد. ونجحت الأغنية نجاحًا باهرًا، وصار جنكيز باشا أوغلو، واسمه الحقيقي حكمت، حديث مجالس الفن والطرب بعد ذلك.
وشكل مع الفنان والعازف القدير أرول خيري ثنائيًا ناجحًا، وقدما معًا أعمالًا موسيقية وغنائية جميلة، في مشوار فني لم يدم طويلًا، مع الأسف.
فقد وقعت بعد ذلك الأحداث المأساوية، وأُعدم الفنان الموهوب والعازف المبدع والإنسان المرهف جنكيز باشا أوغلو وشقيقه أتيلا شنقًا، بتهمة محاولتهما الهرب إلى خارج القطر...!
تلك الحادثة المؤلمة التي وقعت في تموز من عام 1988، كانت النهاية السوداء لمشوار جميل متشح بألوان الربيع؛ لفنان شاب منفتح على الحياة اسمه جنكيز باشا أوغلو.
كان يريد أن يكون نجمًا في سماء الفن الغنائي التركماني، لكن إرادة الشر أبت لتلك النبتة الصالحة أن تنمو وتكبر...
فقطعت عنها الهواء، وحجبت عنها أشعة الحياة...
فكان الموت نهاية قصة ذلك الحلم الجميل...
واللحن المذبوح...!
جمهور كركوكلي
مركز الإعلام التركماني العراقي

0 تعليقات