عراق

"خان عباس... ذاكرة المكان وحكايات الزمن الجميل"

(حكاية الأيام)



بقلم: وجدي نياز الدين أكبر 
الإنسان الرصين السائر في دربه إلى موقع رزقه ما هو إلا عبدٌ من عباد الله، تفترض طاعته، ويتجنب الإساءة إليه، لأنه إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق. لا تغرّك الدنيا، فإن أيامها طويلة وسنينها لا تنتهي، فتأمل فيها بإمعان، فتدور الأيام، فتعوزك إلى شخص بسيط ليقضي حاجتك، وإنك لم ترَه حتى في الحلم. ولذلك علينا أن نحذر في تعاملنا مع أي بشر، وندعو له كل الخير والعافية، ولا نتمنى له الموت، لأن بقاءه أكيد ينفع ناسه، ولكن موته لن يُجدي أيَّ مخلوقٍ من خلق الله.
لهذه الفكرة أتذكر رباعية تركمانية، فهي تقول:
بيلميره م نه دييم سه نه
چوخ دوشوبتير ميليم سه نه
قالسام نفعيم طوخوني
ئولسام دوشه ر نه ييم سه نه
مؤداها باللغة العربية:
أحتار كيف أفاتحك قلبي،
فأنا متعلقٌ بهواك،
لعلني أنفعك إن بقيت،
وإن متُّ فلا ترث مني أي شيء.
عند إحدى لقاءاتي مع الأستاذ الشاعر علي معروف أوغلو، رحمه الله، تحدث لي عن أيام الستينيات من القرن الماضي، فقال:
كان لي صيدلية في القيصرية الوسطى، وكان يقابلني في المحل رجل طاعن في السن يُدعى حميد جوجة، وهو يبيع القرطاسية واللوازم المدرسية، ويتسم بالهدوء والصمت الدائم. وهذه الصفات التي عنده جعلتني أشك به، وأقول في دواخلي إن هذا الرجل ليست لديه أية تجربة في الحياة.
ودارت الأيام والسنون، وإذا برجل كردي من قرى الداودية قصد محله، فسلم عليه، ورد عليه السلام، وقال:
— يا حاج، أنا لي فرس أصيبت بخلع في المفصل العلوي من رجلها اليمنى، وهي الآن مربوطة في اصطبل خان عباس، ولا تستطيع السير عليها بصورةٍ مطلقة. لقد دلني الناس عليك بأنك خبير في هذا الشأن.
فرحب به الحاج حميد جوجة، وبدأ يتعامل معه، وقال إن علاج هذا الخلع يكلف دينارًا واحدًا، وهي عملة كانت تعادل آنذاك ما يقارب 100000 دينار حسب عملة اليوم. وأخذ الرجل يتوسل به، وأخيرًا اتفق الطرفان على 750 فلسًا، يقابل 75000 دينار بعملة اليوم.
نهض حميد جوجة من مكانه، ومعه الرجل، وكذلك أتبعهما الأستاذ علي معروف أوغلو، وساروا إلى خان عباس حيث كانت الفرس هناك.

فلما وصلوا إلى الفرس، بدأ حميد جوجة بشدِّ رجل الفرس اليسرى إلى بطنها بحبلٍ قوي، وأطلق رجلها المصابة، ثم أخذ بيده العصا وضربها بقوة تحت حنكها، فارتفعت عاليًا، ووقفت على رجلها المصابة، فارتاحت الفرس، وطابت رجلها فورًا، وعادت إلى سابق عهدها. فأوفى الرجل الكردي لحميد المبلغ المتفق عليه، وشكره، ثم امتطى فرسه ومضى إلى مأمنه.
ورجع الأستاذ علي معروف أوغلو مع حميد جوجة إلى محلهما، وبدأ يسأله:
— من أين لك هذه المعلومة؟
فأجابه:
أنا قضيت شبابي في مهنة القوافل التجارية بواسطة الدواب، وتسمى بالتركمانية (كروانچي)، حيث كنا نتبادل التجارة مع الدول الإقليمية، تركيا وإيران، وخلال سنوات عملي في هذه المهنة المجهدة تعلمتها من زملائي جماعة (قره أوليس) التركية.
توفي حميد مبارك جوجة في مطلع الثمانينيات، وهو متزوج من امرأتين، وهو والد كل من: الأستاذ إبراهيم، وخليل، وعباس، وعبد الإله، وصبحي، وعدنان، ومع بنتين.
أما خان عباس، فيعود إنشاؤه إلى عشرينيات القرن العشرين، وأُدير الخان في أول تأسيسه من قبل عباس قاسم محمد، وهو من مواليد طوزخورماتو عام 1897م، وكان متزوجًا من امرأتين، وبلغ عدد أولاده وبناته اثني عشر شخصًا، وهو والد كل من: الحاج علي أكبر، والأستاذ حلمي، والأستاذ نوري، والأستاذ طلعت، والأستاذ فاضل، وفوزي، مع ست بنات.
ولمزيد من التفاصيل حول خان عباس، حاورت الأستاذ طلعت عباس خانچي، أحد أبناء صاحب الخان، وهو من مواليد أربعينيات القرن المنصرم، ووالد كل من الشهيد المحامي جواد، والدكتور حيدر، والدكتور محمد، مع بنتين. وهو من هواة الأدب، ومن أشهر متابعي منشوراتي (حكاية الأيام)، ومن مثقفي مدينتنا طوزخورماتو في مرتبة الصدارة.
قال:
كان والدي يُلقب بـ (خانچي عباس)، وتولى إدارة الخان منذ عام 1925م. وكان الخان آنذاك عبارة عن سوق يتبضع فيه الناس، وكانت البضائع التي تأتينا من نتاجات قرى الداودية، البالغ عددها أكثر من 60 قرية، وكان النقل يتم بواسطة البغال والحمير. كذلك كنا نستقبل البضائع إما من شمال العراق أو من الدولة الجارة إيران، وكانت تتكون من الجوز، واللوز، والبلوط، والكشمش، والدهن الحر، والصوف، والفحم، والحنطة، والشعير.
وكان أكثر ما يأتينا إلى الخان هو الفحم، لذلك أستطيع أن أقول إن خان عباس كان مختصًا بالفحم، ولذلك كان الناس يسمونه بالتركمانية (كومور خاني).

إرسال تعليق

0 تعليقات