شهيد الراديو وشفرة فريد الأطرش.
بقلم ثروت عبدالرحمن كولمن
• المشهد الأول: شهيد الراديو!
عندما كنا طلابًا في تركيا خلال سبعينيات القرن الماضي، كانت أولى خطواتنا بعد الوصول هي التسجيل في الأقسام الداخلية، ريثما نجد شقة قريبة من الكلية تجمعنا ببعض الأصدقاء من أبناء مدينتنا الغالية كركوك.
سجلنا في مجمع أتاتورك للأقسام الداخلية للطلاب (Atatürk Öğrenci Yurdu)، الواقع في منطقة "جابجي". وكان المجمع يضم طلبةً من مختلف دول العالم، إلا أن أجمل ما فيه هو وجود معظم أصدقائنا وأبناء ولايتنا. كانت الأيام تمضي في جو من الألفة والمحبة، نعيش كأننا أسرة واحدة، يجمعنا الاحترام المتبادل، ونسترشد بنصائح وإرشادات من سبقونا في العمر والدراسة.
وكان بيننا صديق نرمز له بالحرف (ل)، شاب مهذب، خلوق، محبوب من الجميع، إلا أنه كان يفاجئنا أحيانًا بتصرفات عفوية وغير متوقعة.
وفي أحد الأيام، كنت برفقة صديق العمر المرحوم حجي يلماز، في غرفة زميل الدراسة الدكتور عزمي (المغترب حاليًا)، في الطابق الرابع من البلوك (2). كنا نرتشف أكواب الشاي الساخنة ونتبادل الحديث عن الدراسة وآمال المستقبل، وفجأة...
اهتزت البناية بعنف، ودوى صوت مخيف، فأدرك الجميع أن زلزالًا قد بدأ.
تعالت الصرخات: "يا الله!"، وانطلق الجميع مسرعين نحو السلالم، يهبطون إلى حديقة المجمع الواسعة طلبًا للنجاة.
وبينما كنا نهبط مذعورين، فوجئنا بصديقنا (ل) يصعد إلى الطوابق العليا بعكس اتجاه الجميع، وبأقصى سرعة!
صاح به الأخ عزمي مذهولًا:
—ولك... إلى أين صاعد؟! انزل قبل أن تموت... انزل يا رجل!"
فأجابه وهو يواصل الركض:
—نسيت الراديو شغالًا في غرفتي! !!!
لم يتمالك عزمي نفسه، فأمسكه من ذراعه بقوة وأجبره على النزول وهو يقول ضاحكًا، رغم خطورة الموقف:
—انزل معنا أولًا... لا تجعل الناس يكتبون: استشهد دفاعًا عن الراديو!!!
ومنذ ذلك اليوم، كلما تذكرنا تلك الحادثة، ضحكنا طويلًا، وأطلقنا عليه مازحين لقب "شهيد الراديو".
• المشهد الثاني: نداء الأصدقاء !
عند بوابة الأقسام الداخلية كانت تقع بناية الاستعلامات، حيث يستقبل الموظفون الزائرين، ويسألونهم عن أسماء الطلاب المطلوبين، ثم يعلنون أسماءهم عبر مكبرات الصوت للحضور إلى كافتيريا المبنى.
وفي بعض الأحيان، كنا نسمع نداءً غريبًا يتردد في أرجاء المجمع:
—السيد فريد الأطرش... عندك زوار، الرجاء الحضور."
كان اسمًا لا وجود له بين الطلبة، ومع ذلك، ما إن نسمعه حتى نفهم الرسالة فورًا. كنا، نحن أبناء كركوك، نهرع جميعًا إلى بوابة الاستعلامات، لأننا نعلم أن أحد أصدقائنا أو معارفنا قد وصل من الوطن، وأن هذا النداء لم يكن سوى "شفرة" اتفق عليها أبناء كركوك.
وهكذا يتحول نداء واحد إلى دعوة غير معلنة، تجمع أبناء المدينة حول ضيفهم، فيستقبلونه بحرارة، ويتسابقون إلى السلام عليه، وسماع أخباره، والاطمئنان على أهلهم ومدينتهم، وكأن قطعة من كركوك قد حلت بينهم.
كانت فكرة بسيطة، لكنها تنم عن ذكاء اجتماعي جميل، وروح تضامن لا تُنسى، وتجسد معنى الغربة حين تخففها المحبة، ويجعلها الإخاء أقل قسوة.
• الخاتمة : ها قد مضى على تلك الأيام أكثر من خمسين عامًا، لكنها ما زالت حية في الذاكرة، بكل تفاصيلها الجميلة، ومواقفها الطريفة، ووجوه أصحابها الذين فرقتهم الأيام، وغيّب بعضهم الموت، وبقيت ذكراهم تسكن القلب.
وكلما عادت بي الذاكرة إلى تلك السنوات، ترددت في داخلي رائعة كوكب الشرق أم كلثوم:
ذِكْرَيَاتٌ عَبَرَتْ أُفْقَ خَيَالِي
بَارِقًا يَلْمَعُ فِي جُنْحِ اللَّيَالِي
نَبَّهَتْ قَلْبِي مِنْ غَفْوَتِهِ
وَجَلَتْ لِي سِتْرَ أَيَّامِي الْخَوَالِي
رحم الله من رحل من رفاق تلك الأيام، وأطال في أعمار الأحياء، وجعل ذكرياتنا الجميلة زادًا يخفف عنا مشقة العمر، ويذكرنا بأن أجمل ما يبقى في الحياة هو صدق الصحبة، ونبل المودة، ودفء الذكريات.

0 تعليقات