عراق

هل كلمة "الكافر" إهانة... أم مصطلح عقدي تغيّر فهمه مع الزمن؟

🖋️ بقلم الدكتورة حنان قاسم ترجمان 



﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
(سورة الممتحنة: الآية 😎
يرسم القرآن الكريم منهجا متوازنا في التعامل مع المخالف في الدين فهو يثبت الحق الذي يؤمن به وفي الوقت نفسه يأمر بالعدل والإحسان مع من خالفه. وهكذا يجمع بين وضوح العقيدة وعدالة المعاملة ورقي الأخلاق.
ومع ذلك أصبحت بعض المصطلحات الدينية اليوم سببا لسوء الفهم ولعل كلمة "الكافر" أكثرها إثارةً للحساسية. فهي عند كثير من المسيحيين تُفهم على أنها إهانة أو انتقاص من الكرامة بينما يراها المسلم مصطلحا عقديا يصف موقفا من الإيمان لا حكما على أخلاق الإنسان أو قيمته.
وهنا يبرز السؤال:
هل كلمة "الكافر" إهانة... أم مصطلح عقدي تغيّر فهمه مع الزمن؟
ليس الهدف من هذا المقال الدفاع عن كلمة لمجرد ورودها في النصوص الدينية ولا إقناع أحد بتغيير عقيدته وإنما محاولة فهم معناها في سياقها اللغوي والقرآني والتمييز بين المصطلح العقدي والإهانة الشخصية.
ماذا تعني كلمة "الكفر" أصلا؟
قبل أن نحكم على أي كلمة ينبغي أن نعود إلى أصلها اللغوي.
فكلمة "الكفر" في اللغة العربية تعني الستر والتغطية. ولهذا كانت العرب تطلق لفظ "الكافر" على الفلاح أو الزارع لأنه يغطي البذور بالتراب ويسترها في الأرض. ولم يكن هذا الوصف يحمل أي معنى للاحتقار بل كان استعمالا لغويا خالصا.
وقد جاء هذا المعنى في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾
(سورة الحديد: الآية 20).
والمقصود بـ "الكفار" هنا الزُّرّاع لأنهم يغطون البذور بالتراب وهو المعنى اللغوي الأصلي للكلمة.
ومن هذا الأصل اللغوي جاء المعنى العقدي فالكفر في الاصطلاح الإسلامي هو عدم الإيمان برسالة النبي محمد ﷺ، أو جحدها بعد قيام الحجة. وسُمِّي الكفر بذلك لأنه يستر الحق ويغطيه كما يستر الفلاح البذرة في الأرض.
وهكذا انتقلت الكلمة من معناها اللغوي إلى مصطلح عقدي دون أن تصبح في أصلها كلمةً للإهانة أو الانتقاص من كرامة الإنسان.
كما أن القرآن لم يستعمل كلمة "الكفر" بمعنى واحد بل وردت في سياقات متعددة فتحدث عن الكفر بالله وعن كفر النعمة وعن الجحود مما يدل على أن معناها أوسع من الصورة التي استقرت في أذهان كثير من الناس اليوم.

(بين العقيدة والكرامة الإنسانية)
في العقيدة الإسلامية الإيمان والكفر ضدان فالمسلم يؤمن بالله وبرسالة النبي محمد ﷺ، وبأن القرآن وحي من عند الله ومن لا يؤمن بذلك لا يُعد مؤمنا بالإسلام.
أما اليهود والمسيحيون فيصفهم القرآن أيضا بـ (أهل الكتاب) وهو وصف لهويتهم الدينية ومكانتهم الخاصة في التشريع الإسلامي بينما يعبّر لفظ "الكفر" عن الموقف العقدي من الإيمان برسالة النبي محمد ﷺ. ولذلك لا تعارض بين الوصفين في السياق الإسلامي فلكل منهما دلالته المختلفة.
وهذا لا يعني أن الإسلام ينتقص من كرامة غير المسلمين أو يدعو إلى الإساءة إليهم بل على العكس فقد أمر القرآن بالبر والعدل مع من لم يعادِ المسلمين كما جسّد النبي محمد ﷺ هذا المبدأ في تعامله مع غير المسلمين فأقام معهم العهود وتعامل معهم بالعدل والوفاء.
ومن هنا ينبغي التمييز بين الحكم على المعتقد والحكم على الإنسان. فعندما يقول المسلم إن غير المسلم ليس مؤمنا بالإسلام فهو يقرر حقيقة عقدية من داخل دينه وليس بالضرورة أنه يهينه أو يصفه بقلة الأخلاق أو ينكر كرامته الإنسانية.
وفي المقابل فإن المسيحي أيضا لا يعتقد أن المسلم يؤمن بالعقيدة المسيحية كما يفهمها هو. فلكل دين مصطلحاته الخاصة التي يعبّر بها عن معتقده.

(لماذا تغيّر فهم الكلمة؟)

المشكلة في الغالب ليست في أصل الكلمة وإنما في طريقة استعمالها.
فعندما تُستخدم كلمة "الكافر" في سياق السخرية أو الاحتقار أو الاستعلاء فإنها تتحول إلى إساءة وهذا لا ينسجم مع أخلاق الإسلام التي تقوم على الحكمة والعدل وحسن الحوار.
وفي المقابل فإن إخراج الكلمة من سياقها العقدي يجعلها تبدو حكما على قيمة الإنسان بينما هي في أصلها وصف لموقف ديني.
ولذلك فإن كثيرا من الخلافات لا تنشأ من اختلاف العقائد بقدر ما تنشأ من سوء فهم المصطلحات

تأمل اخيراً
قد لا يقتنع المسلم بالعقيدة المسيحية وقد لا يقتنع المسيحي بالعقيدة الإسلامية وهذا أمر طبيعي ما دامت الأديان مختلفة. لكن الذي ينبغي ألا يختلف عليه اثنان هو أن الحكم على المعتقد شيء واحترام الإنسان شيء آخر.
فالمسلم لا يملك أن يغيّر المصطلحات التي وردت في القرآن الكريم كما أن المسيحي لا يغيّر ما تؤمن به عقيدته. غير أن الجميع يملك أن يختار أسلوبه في الحوار وأن يعرض معتقده بأدب وإنصاف.
وحين نفهم أن الوصف العقدي يختلف عن الإهانة الشخصية يصبح الحوار أكثر هدوءا ويبقى الاحترام متبادلا رغم استمرار الاختلاف.
ومن هنا فإن استعمال كلمة "الكافر" في سياقها العقدي لا ينبغي أن يُفهم على أنه إساءة كما لا ينبغي للمسلم أن يستعملها بقصد التجريح أو الانتقاص. فالمصطلحات الدينية لها معانيها داخل كل عقيدة أما الأخلاق فتبقى واجبة مع الجميع.
"الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق."
— الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، من عهده إلى مالك الأشتر.

تنبيه للقارئ
لا يناقش هذا المقال صحة أي عقيدة أو بطلانها فذلك موضوع مستقل له مجاله وأدلته وإنما يهدف إلى شرح معنى مصطلح ديني كما يفهمه الإسلام وإلى التمييز بين الوصف العقدي والإهانة الشخصية.
فمن حق كل دين أن يعبّر عن معتقده بالمصطلحات التي جاءت في نصوصه المؤسسة ومن حق الآخرين أن يختلفوا مع تلك المعتقدات. لكن يبقى الاحترام المتبادل والعدل في المعاملة وحسن الحوار قيما إنسانية ودينية ينبغي أن يتفق عليها الجميع.

إرسال تعليق

0 تعليقات