تشير الدراسات الوبائية إلى أن اضطراب الشخصية النرجسية (Narcissistic Personality Disorder - NPD) يُشخَّص بمعدل أعلى لدى الرجال، في حين يُشخَّص اضطراب الشخصية الهستيرية (Histrionic Personality Disorder - HPD) بمعدل أعلى لدى النساء. غير أن هذا التفاوت لا يمكن تفسيره تفسيرًا بيولوجيًا حتميًا، بل يبدو نتاجًا لتفاعل معقد بين العوامل الثقافية، والتحيزات التشخيصية، والاختلافات في أساليب التنشئة الاجتماعية.
📌 أولًا: التحيز التشخيصي
لا يخدم التحيز في التشخيص أي هدف علاجي، بل يمثل خللًا منهجيًا قد ينشأ عن الاعتماد على الصور النمطية؛ إذ يُربط السلوك المسيطر والطموح المفرط بالرجال، بينما تُربط الانفعالية والسعي إلى لفت الانتباه بالنساء. وقد يؤدي ذلك إلى توجيه التشخيص وفق جنس المريض أكثر من اعتماده على الأعراض الفعلية.
📌 ثانيًا: الأدلة البحثية
أظهرت دراسات السيناريوهات الافتراضية (Vignette Studies) أن الحالة السريرية نفسها قد تُشخَّص على أنها اضطراب شخصية نرجسية إذا كان صاحبها رجلًا، وعلى أنها اضطراب شخصية هستيرية إذا كانت صاحبتها امرأة، مع بقاء الأعراض متطابقة. كما أن استخدام المقابلات التشخيصية المعيارية (Structured Clinical Interviews) يقلل بصورة ملحوظة من الفروق بين الجنسين، مما يشير إلى أن جزءًا من التباين يعود إلى التفسير السريري أكثر مما يعود إلى اختلافات بيولوجية ثابتة.
📌 ثالثًا: دور الثقافة
يعترف الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM) بأن كثيرًا من أوصاف هذه الاضطرابات قد تطورت تاريخيًا استنادًا إلى عينات يغلب عليها الذكور في اضطراب الشخصية النرجسية، والإناث في اضطراب الشخصية الهستيرية. كما أن اختلاف معدلات التشخيص بين الثقافات يعزز فرضية تأثير التنشئة الاجتماعية والمعايير الثقافية في ظهور هذه الفروق.
📌 الخلاصة
لا يمكن اعتبار ارتفاع معدلات تشخيص النرجسية لدى الرجال أو الهستيرية لدى النساء دليلًا على وجود فروق بيولوجية قاطعة بين الجنسين. وتشير الاتجاهات الحديثة في علم النفس إلى أهمية تجاوز التصنيفات الجندرية التقليدية، والاعتماد على تقييم الأعراض والسمات الشخصية لكل فرد على حدة، بما يضمن دقة التشخيص وعدالة التدخل العلاجي بعيدًا عن الأحكام المسبقة.

0 تعليقات