بقلم ازاد كورجي
أَيَحْيَا الإِنْسَانُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ؟ أَمْ أَنَّ فِي دَاخِلِهِ نَقْصًا لَا يَمْلَؤُهُ حَتَّى الْمَاءُ؟
أَيَقُومُ عَلَى الْخُبْزِ وَحْدَهُ؟ أَمْ أَنَّ هُنَاكَ جَانِبًا فِيهِ يَبْقَى جَائِعًا، وَإِنِ امْتَلَأَتْ مَعِدَتُهُ؟
أَهِيَ الْحَيَاةُ مُجَرَّدُ شَهِيقٍ وَزَفِيرٍ؟ أَمْ أَنَّ الإِنْسَانَ كَائِنٌ يَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى يَتَجَاوَزُ النَّفَسَ؟
بِالطَّبْعِ لَا.
فَمِنْ دُونِ الْمَاءِ لَا نَسْتَطِيعُ الْعَيْشَ، وَمِنْ دُونِ الْخُبْزِ تَضْعُفُ قُوَّتُنَا، وَمِنْ دُونِ الأُكْسُجِينِ لَا نَبْقَى عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ سِوَى بَضْعِ دَقَائِقَ. فَهَذِهِ هِيَ احْتِيَاجَاتُ الْجَسَدِ الأَسَاسِيَّةُ الَّتِي لَا غِنَى عَنْهَا.
وَلَكِنَّ الإِنْسَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ جَسَدٍ مِنْ لَحْمٍ وَعِظَامٍ، بَلْ لَهُ رُوحٌ، وَعَقْلٌ، وَضَمِيرٌ، وَقَلْبٌ يَبْحَثُ عَنِ الْمَعْنَى.
الْيَوْمَ يَعِيشُ مَلَايِينُ النَّاسِ فِي الْعَالَمِ وَبُطُونُهُمْ شَبْعَى، وَلَدَيْهِمْ بُيُوتٌ وَأَعْمَالٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُمْ تَعِيسُونَ، مُضْطَرِبُونَ، وَوَحِيدُونَ. لِأَنَّ أَجْسَادَهُمْ قَدْ شَبِعَتْ، وَلَكِنَّ أَرْوَاحَهُمْ جَائِعَةٌ، وَعُقُولَهُمْ مُرْهَقَةٌ، وَقُلُوبَهُمْ فَارِغَةٌ.
عِنْدَمَا يَجُوعُ الْجَسَدُ يَشْعُرُ بِالْجُوعِ.
وَعِنْدَمَا تَجُوعُ الرُّوحُ تَفْقِدُ الأَمَلَ.
وَعِنْدَمَا يَجُوعُ الْعَقْلُ يَعْجِزُ عَنِ التَّفْكِيرِ وَالإِبْدَاعِ وَالتَّطَوُّرِ.
إِنَّ ذَلِكَ الْفَرَاغَ الَّذِي يَعْجِزُ الإِنْسَانُ عَنْ وَصْفِهِ، يَنْبَعُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ مِنْ جُوعِ الرُّوحِ وَالْعَقْلِ.
فَبِمَاذَا تَتَغَذَّى الرُّوحُ؟
إِنَّهَا تَتَغَذَّى بِالْمَحَبَّةِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالْعَدَالَةِ، وَالإِيمَانِ، وَالأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ، وَالأُسْرَةِ، وَالصَّدَاقَةِ، وَالْفَنِّ، وَفِعْلِ الْخَيْرِ. فَمَنْ يَعْرِفُ الْعَفْوَ، وَيُحِبُّ الْعَطَاءَ، وَيَحْيَا عَلَى الأَمَلِ، وَيَفْرَحُ لِسَعَادَةِ غَيْرِهِ، تَقْوَى رُوحُهُ.
وَبِمَاذَا يَتَغَذَّى الْعَقْلُ؟
إِنَّهُ يَنْمُو بِالْقِرَاءَةِ، وَالْبَحْثِ، وَالتَّفْكِيرِ النَّاقِدِ، وَالتَّعْلِيمِ، وَالْعِلْمِ، وَالْوَعْيِ بِالتَّارِيخِ، وَالثَّقَافَةِ، وَالتَّعَلُّمِ الْمُسْتَمِرِّ. فَالْمَعْرِفَةُ هِيَ أَعْظَمُ رَأْسِ مَالٍ يَمْلِكُهُ الإِنْسَانُ. وَالْمُجْتَمَعُ الْجَاهِلُ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، فَلَنْ يَكُونَ قَوِيًّا؛ لِأَنَّ الَّذِي يَبْنِي الْمُسْتَقْبَلَ لَيْسَ قُوَّةَ الْعَضَلَاتِ، بَلْ قُوَّةَ الْعَقْلِ.
وَلِلْأَسَفِ، يَقْضِي كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً فِي السَّعْيِ لِتَغْذِيَةِ أَجْسَادِهِمْ، بَيْنَمَا لَا يُخَصِّصُونَ بَضْعَ دَقَائِقَ فِي الْيَوْمِ لِتَغْذِيَةِ أَرْوَاحِهِمْ وَعُقُولِهِمْ. وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا عَاشَ لِجَسَدِهِ وَحْدَهُ، فَقَدْ عَاشَ حَيَاةً نَاقِصَةً.
وَلَا يَنْبَغِي لِلإِنْسَانِ أَنْ يَعِيشَ لِنَفْسِهِ وَحْدَهَا.
فَمَنْ لَا يُفَكِّرُ إِلَّا فِي بَيْتِهِ، وَعَمَلِهِ، وَرِزْقِهِ، وَرَاحَتِهِ، يَتَجَنَّبُ حَمْلَ مَسْؤُولِيَّةِ الْمُجْتَمَعِ. وَمِثْلُ هَذِهِ الْحَيَاةِ تَقُودُ الإِنْسَانَ، مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ، إِلَى الأَنَانِيَّةِ، وَالأَنَانِيَّةُ مِنْ أَخْطَرِ أَمْرَاضِ الأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ.
الإِنْسَانُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ أَوَّلًا: «مَاذَا كَسَبْتُ؟»، بَلْ يَسْأَلُ: «مَاذَا أَنْتَجْتُ؟ وَلِمَنْ كَانَ نَفْعِي؟ وَأَيَّ أَثَرٍ سَأَتْرُكُهُ بَعْدَ رَحِيلِي؟».
إِنَّ الَّذِي يُقِيمُ الأُمَمَ لَيْسَ جُيُوشَهَا وَحْدَهَا، وَلَا اقْتِصَادَهَا فَقَطْ، بَلْ أَبْنَاؤُهَا الْمُتَعَلِّمُونَ، وَأَخْلَاقُهَا الرَّاسِخَةُ، وَقِيَمُهَا الْمُشْتَرَكَةُ، وَثَقَافَتُهَا، وَفُنُونُهَا، وَعِلْمُهَا، وَمَحَبَّةُ أَبْنَائِهَا بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ كُلَّ يَوْمٍ:
مَاذَا تَعَلَّمْتُ الْيَوْمَ؟
مَنْ نَفَعْتُ الْيَوْمَ؟
مَاذَا قَدَّمْتُ الْيَوْمَ لِوَطَنِي، وَلِأُمَّتِي، وَلِلإِنْسَانِيَّةِ؟
إِنَّ الَّذِينَ يُجِيبُونَ عَنْ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ بِصِدْقٍ كُلَّ يَوْمٍ، هُمُ الَّذِينَ يَرْتَقُونَ بِأَنْفُسِهِمْ وَبِمُجْتَمَعَاتِهِمْ.
إِنَّ غَايَةَ الْحَيَاةِ لَيْسَتْ أَنْ نَعِيشَ طَوِيلًا فَقَطْ، بَلْ أَنْ نَعِيشَ حَيَاةً ذَاتَ مَعْنًى، وَأَنْ نَكُونَ نَافِعِينَ، وَأَنْ نَتْرُكَ خَلْفَنَا أَعْمَالًا جَمِيلَةً.
وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ أَجْسَادَ النَّاسِ بَعْدَ الْمَوْتِ تَعُودُ إِلَى التُّرَابِ، وَلَكِنَّ عِلْمَهُمْ، وَآثَارَهُمْ، وَأَخْلَاقَهُمُ الْحَسَنَةَ، وَالأَجْيَالَ الَّتِي رَبَّوْهَا، تَبْقَى حَيَّةً.
فَلْنُحَافِظْ عَلَى صِحَّةِ أَجْسَادِنَا، وَلَا نُهْمِلْ تَغْذِيَةَ أَرْوَاحِنَا بِالْمَحَبَّةِ، وَالضَّمِيرِ، وَالأَمَلِ. وَلْنُنَمِّ عُقُولَنَا بِالْمَعْرِفَةِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَالتَّفَكُّرِ.
فَإِنَّ الأَجْسَادَ الْقَوِيَّةَ قَدْ تُقِيمُ الدُّوَلَ، وَلَكِنَّ الْعُقُولَ الْقَوِيَّةَ هِيَ الَّتِي تَبْنِي الْحَضَارَاتِ، وَالأَرْوَاحُ النَّبِيلَةُ هِيَ الَّتِي تُضْفِي عَلَى تِلْكَ الْحَضَارَاتِ الْعَدَالَةَ، وَالرَّحْمَةَ، وَالإِنْسَانِيَّةَ.
إِنَّ الإِنْسَانَ يَبْقَى عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ بِالْمَاءِ، وَالْخُبْزِ، وَالنَّفَسِ، وَلَكِنَّهُ يَنْمُو بِالْمَعْرِفَةِ، وَيَنْضُجُ بِالْمَحَبَّةِ، وَيَرْتَقِي بِالضَّمِيرِ، وَلَا يَعِيشُ حَقًّا إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُقَدِّمُهُ مِنْ خِدْمَةٍ لِلإِنْسَانِيَّةِ
ازاد كورچى

1 تعليقات
احسنت استاذ ازاد... رائع جدا 💚🌿
ردحذف