عراق

نجات كوثر أغلو.. رحلة في الأدب والصحافة وتوثيق ذاكرة كركوك


من أعلام العراق



✍️ قتيبة الحميد

تزخر الذاكرة الثقافية العراقية بأسماء كثيرة أسهمت في بناء الحركة الأدبية والصحفية والتاريخية، وكرّست حياتها للكتابة والتوثيق وحفظ التراث ونقل المعرفة إلى الأجيال. وكان لمدينة كركوك، بما تمتلكه من تنوع ثقافي وحضاري، نصيب مهم من هذه الشخصيات التي جعلت من القلم وسيلة للتعبير والتوثيق، ومن البحث جسرًا يصل الماضي بالحاضر.

وفي إطار التعريف بسِيَر أعلام العراق من رواد الصحافة والأدب والتاريخ، تأتي هذه السيرة لتسلط الضوء على تجربة ثقافية امتدت لأكثر من ستة عقود، جمعت بين العمل التربوي والصحفي والأدبي والتاريخي والفني، وأسهمت في توثيق جوانب مهمة من تاريخ كركوك وتراثها الثقافي والتركماني.

يُعدّ نجات شكر كوثر ساقي من الشخصيات الثقافية والأدبية والصحفية التي تركت حضورًا مميزًا في المشهد الثقافي بمدينة كركوك، إذ امتدت مسيرته لأكثر من ستة عقود، تنوع خلالها عطاؤه بين التعليم والصحافة والتأليف والتحقيق والفن التشكيلي، مع اهتمام خاص بتاريخ كركوك وتراث التركمان والأدب واللغة.

النشأة والمسيرة التعليمية

وُلد في مدينة كركوك في 5 شباط 1949، وأكمل فيها مراحله الدراسية، ثم تخرج في معهد المعلمين بكركوك عام 1968. وعُيّن في متوسطة المصلى ضمن أقسام الفنون الصناعية، ثم واصل دراسته في الجامعة التكنولوجية في بغداد، ليجمع بين المهنة التعليمية والاهتمام العلمي والثقافي.

وفي عام 1996 أُحيل إلى التقاعد بناءً على طلبه من المدرسة نفسها، التي عُرفت لاحقًا باسم متوسطة المندلي.

أكثر من ستة عقود مع القلم

بدأ اهتمامه بالكتابة والنشر منذ عام 1960، واستمر في رفد الصحف والمجلات بمقالاته وبحوثه في كركوك وبغداد وأنقرة وإسطنبول، ولا سيما الإصدارات المعنية بالأدب وتاريخ التركمان وأذربيجان.

ومنذ عام 2005 تولّى رئاسة تحرير جريدة «توركمن إيلي»، كما تولّى رئاسة تحرير مجلة «توركمن إيلي» للأدب والفن، مواصلًا بذلك حضوره في المجالين الصحفي والثقافي.

بين القلم والفن

لم يقتصر نشاطه على الصحافة والتأليف، بل اهتم أيضًا بالفن التشكيلي، وبخاصة النحت على الخشب، وشارك في عدد من المعارض التي أقيمت في كركوك وبغداد.

وحصلت أعماله في هذا المجال على درجة الامتياز في النحت على الخشب على مستوى العراق، مما يعكس تعدد مواهبه واهتمامه بالفنون إلى جانب البحث والكتابة.

كركوك حاضرة في مؤلفاته

يتميز نتاجه الفكري بتنوع كبير؛ فقد تناول في مؤلفاته تاريخ كركوك وتراثها وشخصياتها ومؤسساتها التعليمية والثقافية، فضلًا عن الأدب واللغة والمخطوطات والمواقع الجغرافية والتراث التركماني.

ومن أوائل أعماله كتاب «نصرالدين خوجا» باللغة التركية، الذي طُبع في كركوك عام 1969.

ومن أبرز كتبه «من حوادث كركوك»، الذي صدر جزؤه الأول باللغة العربية عام 2005، ثم صدرت طبعته الثانية عن وزارة الثقافة العراقية عام 2011.

كما أصدر «صفحات من تاريخ كركوك» عام 2009، وأُعيدت طباعته عام 2015 في لندن، إلى جانب «بحث حول عشيرة البيات»، وهو عمل مترجم من التركية للكاتب شاكر صابر ضابط، وصدرت منه عدة طبعات.

حضور في مجال التعليم

وفي المجال التربوي، شارك في إعداد عدد من الكتب المخصصة لطلبة الدراسة التركمانية، ومنها «Temel Sözlük»، و**«Okul Şiirleri»، و«Öğrenciler İçin Hikayeler»**، إضافة إلى «كتاب مطالعة» للصف السادس الثانوي.

وتكشف هذه الأعمال عن اهتمام واضح بتوفير مصادر تعليمية باللغة التركية للطلبة، والإسهام في تطوير المناهج والمواد المساندة للعملية التربوية.

الأدب والمخطوطات والتاريخ

أولى كوثر أغلو اهتمامًا كبيرًا بالتاريخ الثقافي والأدبي، فشارك في تحقيق وتقديم كتاب «تاريخ الأدب التركي في العراق» لعباس العزاوي، وأصدر عددًا من الدراسات المتعلقة بعطا ترزى باشى وفضولي والمخطوطات.

ومن أعماله المهمة أيضًا «فهرست مخطوطات خزانة عطا ترزى باشى» و**«بحوث عطا ترزى باشى حول فضولي»**، فضلًا عن دراسات تناولت التعليم في كركوك وتاريخ المدينة من خلال الوثائق والمصادر المختلفة.

وتبرز ضمن مشروعه التوثيقي مؤلفات مثل «شهداء كركوك في الحرب العالمية الأولى في ضوء الوثائق والمصادر العثمانية»، و**«كركوك بأقلام الرحالة»، و«الأوائل في كركوك»، و«المعالم الحضارية للتركمان في العراق»**.

كما اهتم بالمسكوكات والمصادر العثمانية، وأصدر كتاب «نقود ومسكوكات التركمان في العراق»، الذي يتناول جانبًا من تاريخ النقود والمسكوكات المرتبطة بالتركمان في العراق.

عطاء لم يتوقف

استمر عطاؤه في السنوات الأخيرة من خلال مجموعة من الكتب باللغة التركية، منها «Seyyahların Kaleminden Kerkük» عام 2021، و**«Kerkük Hoyratlarının Şerhi»** عام 2022، و**«Geleneksel Kurumlarıyla Kerkük»** عام 2023، و**«Kerkük’te Yazılan İlk Yerli Türkçe Sözlük Lugât-ı Türkiyye»** عام 2024، إلى جانب أعمال أخرى تناولت التاريخ والتراث واللغة والثقافة التركمانية.

وإلى جانب التأليف والنشر، شارك في العديد من المؤتمرات والندوات التاريخية واللغوية داخل العراق وخارجه، وحصل على شهادات تقديرية من عدد من الجامعات والمؤسسات الثقافية تقديرًا لبحوثه وإسهاماته.

كما شغل عضوية عدد من الاتحادات والنقابات والمنظمات الأدبية والصحفية والفنية، ومنها اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، ونقابة صحفيي العراق، وهيئة الصحافة التركمانية، واتحاد فناني العراق، ومنظمة كتاب بلا حدود، واتحاد الأدباء والكتاب التركمان، واتحاد المعلمين التركمان، واتحاد كتاب العالم التركي، واتحاد أدباء وكتاب أذربيجان، فضلًا عن عضويته في مراكز بحثية وثقافية تُعنى بعلوم العالم التركي.

ذاكرة رجل.. وذاكرة مدينة

تمثل هذه المسيرة تجربة ثقافية ثرية جمعت بين التعليم والصحافة والأدب والتاريخ والفن، وأسهمت في حفظ جانب مهم من ذاكرة كركوك وتراثها.

وقد ترك نجات كوثر أغلو عشرات الكتب والدراسات والترجمات التي تناولت تاريخ المدينة وثقافتها وشخصياتها وتراث التركمان، إلى جانب نشاطه في الصحافة والفنون.

إن هذا العطاء المتواصل يعكس إيماناً عميقًا بأهمية توثيق التاريخ وحفظ التراث ونقله إلى الأجيال المقبلة، ولا سيما ما يتعلق بمدينة كركوك وذاكرتها الثقافية.

ومن هنا تكتسب هذه المسيرة قيمتها بوصفها شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ الحركة الثقافية والصحفية والأدبية في كركوك والعراق، وإضافة بارزة إلى المكتبة المعنية بتاريخ التركمان وثقافتهم.

.

إرسال تعليق

0 تعليقات