كتاب الترند
إعداد: وكالة صدى الثقافية
هل يمكن أن تجتمع أشلاء ضحايا مختلفين في جسد واحد، ثم تنهض لتطالب بالثأر ممن قتل أصحابها؟
من هذه الفكرة الغريبة والمخيفة ينطلق الروائي العراقي أحمد سعداوي في روايته «فرانكشتاين في بغداد»، الصادرة عام 2013، ليأخذ القارئ إلى بغداد عام 2005؛ مدينة تعيش التفجيرات والخوف والموت اليومي.
لكن الرواية ليست حكاية رعب بالمعنى التقليدي، ولا مجرد استعادة عراقية لرواية «فرانكشتاين» الشهيرة، بل تستخدم الخيال لطرح أسئلة عميقة عن العنف والعدالة والانتقام، وعن الحدود التي تفصل بين الضحية والجلاد.
من هو أحمد سعداوي؟
أحمد سعداوي روائي وشاعر وكاتب سيناريو عراقي، ولد في بغداد عام 1973، وعمل في مجالات صحفية ووثائقية إلى جانب نشاطه الأدبي.
أصدر عددا من الأعمال الأدبية، إلا أن «فرانكشتاين في بغداد» منحته حضوراً عربيا وعالميا واسعاً، خصوصا بعد فوز الرواية بـالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2014، المعروفة إعلاميا بـ«البوكر العربية».
ما حكاية الرواية؟
تدور أحداث الرواية في حي البتاويين وسط بغداد.
هناك نلتقي هادي العتاگ، الذي يجمع بقايا بشرية لضحايا التفجيرات، ويلصقها ويخيطها ليكوّن منها جسداً كاملاً ، رغبةً منه في أن تحظى هذه الأشلاء بدفن يليق بإنسانيتها.
لكن ما يحدث بعد ذلك يتجاوز كل توقع.
تحل روح في الجسد، فينهض كائن غريب إلى الحياة.
يطلق عليه هادي اسم «الشِسْمه»، أي ذلك الذي لا نعرف ماذا نسميه، بينما تطلق عليه السلطات اسم «المجرم إكس»، ويصبح الكائن محور سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة.
يبدأ «الشِسْمه» بملاحقة الأشخاص المسؤولين عن قتل الضحايا الذين تكوّن جسده من أشلائهم، معتقداً أنه يحقق العدالة لهم.
وهنا تبدأ المعضلة.
من الضحية ومن الجلاد؟
في البداية يبدو الكائن وكأنه ينتقم للمظلومين.
لكن ماذا يحدث عندما تتحول العدالة إلى انتقام؟
وهل يمكن تحقيق العدالة بارتكاب جريمة جديدة؟
ومن يحدد من يستحق العقاب؟
تدفع الرواية القارئ تدريجيا إلى منطقة رمادية يصعب فيها الفصل بين الضحية والجلاد.
فالعنف يولد عنفاً، والانتقام يصنع ضحية جديدة، وهذه الضحية قد تبحث بدورها عن الانتقام.
وهكذا تستمر الدائرة.
بغداد.. بطلة أخرى للرواية
ليست بغداد مجرد خلفية تجري فيها الأحداث.
فالمدينة نفسها تكاد تكون إحدى شخصيات الرواية.
شوارع البتاويين وبيوتها القديمة، أصوات الانفجارات، الصحفيون، رجال الأمن، الخوف، الشائعات وانتظار المجهول، كلها ترسم صورة لمرحلة عصيبة من تاريخ العراق الحديث.
ومن خلال شخصيات تنتمي إلى بيئات مختلفة، يقدم سعداوي صورة لمجتمع يحاول أن يعيش حياته الطبيعية وسط واقع لم يعد طبيعيا.
لماذا فرانكشتاين؟
استعار أحمد سعداوي فكرة الكائن المصنوع من أجزاء بشرية مختلفة، لكنه منحها معنى عراقياً مختلفا.
فـ«الشِسْمه» ليس جسد إنسان واحد.
إنه أجزاء من ضحايا متعددين.
وبذلك يتحول جسده إلى رمز يمكن أن نقرأ من خلاله وجع مجتمع كامل.
وكأن الرواية تضع أمامنا سؤالاً مؤلما :
إذا كان الجميع يرى نفسه ضحية، فمن هو الجلاد؟
وهنا تكمن قوة الرواية؛ فهي لا تقدم إجابة جاهزة، بل تجعل القارئ يبحث عنها بنفسه.
من بغداد إلى العالمية
لم يتوقف نجاح «فرانكشتاين في بغداد» عند فوزها بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2014.
فقد تُرجمت إلى لغات أخرى، ووصلت ترجمتها الإنجليزية إلى القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر الدولية عام 2018.
وهكذا خرجت حكاية ولدت في شوارع بغداد إلى القارئ العالمي، حاملة معها جانبا من تجربة العراقيين خلال سنوات العنف والاضطراب.
لماذا اخترناها في «كتاب الترند»؟
لأن «فرانكشتاين في بغداد» ليست رواية عن وحش خيالي فقط.
إنها رواية عن الوحش الذي يمكن أن يصنعه العنف داخل الإنسان والمجتمع.
وعندما تنتهي منها، ربما لن يكون السؤال الذي يشغلك:
من هو فرانكشتاين؟
بل:
كم فرانكشتاين يمكن أن تصنعه الحروب عندما يصبح الانتقام بديلاً عن العدالة؟
رواية عراقية استطاعت أن تأخذ الألم المحلي وتحوله إلى سؤال إنساني عالمي، وأن تجعل من الخيال وسيلة لرؤية واقع كان، في بعض أيامه، أغرب من الخيال.
المصادر:
الجائزة العالمية للرواية العربية.
أرشيف الجائزة العالمية للرواية العربية – الفائز لعام 2014.
السيرة الأدبية للروائي أحمد سعداوي.
إعداد: وكالة صدى الثقافية

0 تعليقات