إعداد: وكالة صدى الثقافية
ثمة فنانون يؤدّون ادوارهم ثم يغادرون الشاشة، وثمة من يتحولون، بمرور الزمن، إلى جزء من ذاكرة الناس وملامح الوطن. وينتمي الفنان العراقي القدير سامي قفطان إلى الفئة الثانية؛ فقد رافق أجيالًا متعاقبة بصوته المميز، وحضوره الراسخ، وقدرته على منح الشخصيات البسيطة عمقاً إنسانياً لا يُنسى.
وعلى امتداد أكثر من ستة عقود، تنقّل قفطان بين السينما والمسرح والتلفزيون والإذاعة والغناء، مؤكدًا أن الموهبة الحقيقية لا تقف عند مجال واحد، وأن الفنان يستطيع أن يبقى حيًّا في وجدان الجمهور ما دام صادقًا في أدائه وقريبًا من الناس.
📌 من النعمانية إلى عالم الفن
وُلد سامي قفطان عام 1942 في مدينة النعمانية بمحافظة واسط، ونشأ في أسرة بسيطة عرفت مشقة الحياة مبكراً . انتقلت عائلته لاحقا ا إلى الحمزة الشرقي في محافظة الديوانية، وكان والده يعمل في الخياطة، بينما أسهمت والدته في إعالة الأسرة.
تركَت تلك النشأة أثراً واضحاً في تكوينه الإنساني والفني، فظل قريباً من الناس وهمومهم، وقادراً على تجسيد شخصياتهم بصدق بعيد عن التصنع والمبالغة.
وتروي المصادر الصحفية أن اسمه الكامل هو سامي بن محمد بن عباس بن عبود بن فليح، وأن لقب «قفطان» ارتبط بجدّه الأكبر فليح، الذي كان يعمل ساقيا للماء على طريق الحجاج ويرتدي لباس القفطان، فاشتهر بين الناس بلقب «المُقفطن»، ثم أصبح اللقب مع مرور الزمن «قفطان».
📌 حلم الطفولة
بدأ تعلق سامي قفطان بالفن منذ طفولته، حين كان يشاهد عروض السينما الجوالة التي تصل إلى القرى والأرياف، فتتحرك الشخصيات أمامه على شاشة بيضاء بسيطة.
وكان الطفل سامي يبقى بعد انتهاء العرض متأملًا الحائط، متسائلًا: أين ذهب هؤلاء الأشخاص الذين كانوا يتحركون عليه؟ ومنذ تلك اللحظات الأولى بدأ حلم التمثيل يكبر في داخله، على الرغم من صعوبة ظروفه وعدم امتلاكه طريقًا واضحًا للوصول إلى عالم الفن.
📌 صدفة في شارع الرشيد
بدأت حكاية سامي قفطان مع السينما بصدفة صغيرة غيّرت مجرى حياته. فقد شاهد إعلانًا على أحد أعمدة شارع الرشيد تطلب فيه «شركة الصافي للسينما والتمثيل» وجوهًا جديدة للمشاركة في فيلم «دموع الذكريات».
تقدّم الشاب سامي إلى الاختبار، ونجح في الحصول على فرصة للمشاركة، لتفتح أمامه تلك الخطوة أبواب السينما. ثم جاءت تجربته في فيلم «يد القدر»، وبعده فيلم «ذكريات»، ليقضي الأعوام الممتدة بين 1960 و1965 في العمل مع القطاع السينمائي الخاص، مشاركًا في خمسة أفلام خلال سنواته الخمس الأولى.
وعلى الرغم من أن الصدفة قادته إلى الباب الأول، فإن الاستمرار لم يكن وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة الموهبة والمثابرة والرغبة في التعلّم وإثبات الحضور.
📌 المسرح... البيت الأوسع
دخل سامي قفطان عالم المسرح عام 1965 من خلال فرقة «14 تموز»، وظل ممثلًا تحت التجربة مدة ستة أشهر، عمل خلالها إلى جانب عدد من كبار فناني المسرح العراقي.
وفي عام 1969 قدّمه المخرج الراحل جاسم العبودي في مسرحية «البخيل» للكاتب الفرنسي موليير، فكانت تلك المشاركة محطة مهمة كشفت عن موهبته وقدرته على الوقوف أمام الجمهور الحي.
بعد ذلك تنقّل بين عدد من الفرق المسرحية، منها فرقة مسرح الفن الحديث، وفرقة المسرح المعاصر، وفرقة الرافدين، قبل أن يستقر في الفرقة القومية للتمثيل، التي مثّلت واحدة من أهم مراحل نضجه الفني.
وشارك مع الفرقة القومية في عدد كبير من المسرحيات، من بينها: «الثعلب والعنب»، و«كلهم أولادي»، و«كان يا ما كان»، و«حكاية العطش والأرض والإنسان»، و«شخوص في مجالس التراث»، و«باب الفتوح»، و«نديمكم هذا المساء»، و«الوهم».
كما أنتج وأخرج عددًا من الأعمال المسرحية، ومنها مسرحية «اللي يعيش بالحيلة» عام 1984، التي استمر عرضها على مسرح بغداد نحو ثلاثة أشهر.
📌 مسرح دار السلام
في عام 1987 أسهم سامي قفطان، إلى جانب الفنانين راسم الجميلي ومحمد حسين عبد الرحيم، في تأسيس فرقة «مسرح دار السلام».
وقدّمت الفرقة عددًا من المسرحيات الشعبية التي لاقت حضورًا جماهيريًا واسعًا، من بينها: «بيت الحبايب»، و«ألف عافية»، و«فلوس وعروس».
ولم يكتفِ قفطان بالتمثيل، بل خاض تجربتي الإنتاج والإخراج، وأخرج للمسرح عددًا من الأعمال، كما عمل في الإخراج السينمائي والإذاعي، وأصبح رئيسًا لإحدى فرق المسرح الأهلي.
📌 السينما... حضور لا يُنسى
شارك سامي قفطان في أكثر من خمسة وعشرين فيلمًا، وأسهم في إثراء السينما العراقية بأدوار متعددة جمعت بين الشخصية الشعبية والتاريخية والتراجيدية.
ومن أبرز أفلامه: «الظامئون»، و«الرأس»، و«النهر»، و«الزورق»، و«الأسوار»، و«القناص»، و«المسألة الكبرى»، و«الملك غازي»، و«بابل حبيبتي»، و«زمان رجل القصب».
وقد جمعته بعض هذه الأعمال بفنانين عراقيين وعرب وأجانب بارزين، من بينهم يحيى شاهين، وعبد الله غيث، وأمينة رزق، وكرم مطاوع، وسميحة أيوب، وأوليفر ريد، ما أتاح له خوض تجارب فنية متنوعة أكدت قدرته على الحضور أمام أسماء كبيرة من مدارس تمثيلية مختلفة.
📌 التلفزيون... إلى بيوت العراقيين
دخل سامي قفطان بيوت العراقيين من خلال عشرات المسلسلات والتمثيليات التلفزيونية، وترك شخصيات بقيت راسخة في الذاكرة.
ومن أبرز أعماله التلفزيونية: «الهاجس»، و«ذئاب الليل»، و«الوداع الأخير»، و«صندوق الدنيا»، و«عالم الست وهيبة»، و«مناوي باشا»، و«أبو جعفر المنصور»، و«سارة خاتون»، و«ثمنطعش»، و«الباشا»، و«إعلان حالة حب»، و«الفندق»، و«هوى بغداد»، و«دجلة وفرات»، و«خان الذهب»، و«ياقوت».
ولم تتوقف مسيرته عند أعمال الماضي، إذ واصل حضوره في الدراما العراقية، وشارك عام 2026 في مسلسل «المقام»، ليؤكد أن الفنان الحقيقي لا تحدّه مرحلة زمنية ما دام قادرًا على العطاء.
📌 الممثل الذي كان مطربًا أيضًا
لا يعرف كثيرون أن سامي قفطان امتلك تجربة غنائية وإذاعية مهمة. ففي عام 1966، وأثناء أدائه خدمة العلم، اجتاز اختبار إذاعة القوات المسلحة، وسجّل أكثر من ثلاثة عشر عملًا غنائيًا تنوّعت بين الأغاني العاطفية والوطنية.
وكان يكتب ويلحّن ويغنّي معظم أعماله، كما لحّن له عدد من كبار الملحنين العراقيين، منهم فاروق هلال، ومحمد نوشي، وجعفر الخفاف، وحسن الشكرجي.
وكتب قفطان النص الغنائي الشعبي والفصيح، وأسهم في الأغاني المسرحية وأغاني الأطفال، فضلًا عن إخراجه عددًا من البرامج والتمثيليات الإذاعية، لتظهر موهبته المتعددة التي لم تنحصر في التمثيل وحده.
📌 جوائز صنعتها الموهبة
حصد سامي قفطان خلال مسيرته عددًا من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة أفضل ممثل مسرحي عام 1975، وجائزة أفضل ممثل سينمائي عام 1976، وجائزة أفضل ممثل عربي عام 1982.
كما ارتبط أحد أبرز إنجازاته بأدائه في التمثيلية التلفزيونية «الصفعة»، التي وقف فيها أمام الفنان المصري كرم مطاوع، وحصل عن دوره فيها على تقدير عربي مهم خلال المهرجان العربي الأول للتلفزيون في تونس.
ونال كذلك تكريمات في مهرجانات فنية داخل العراق وخارجه، إلا أن جائزته الأهم بقيت محبة الجمهور العراقي، الذي رأى فيه ممثلًا يشبه الناس ويعرف كيف ينقل أفراحهم وأحزانهم ومخاوفهم إلى الشاشة والخشبة.
📌 ملامح تجربته الفنية
تميّز سامي قفطان بصوت عميق ونظرة معبّرة وحضور قادر على جذب المشاهد حتى عندما تكون مساحة الدور محدودة. ولم يعتمد على المبالغة في التعبير، بل كان يوظّف الصمت وحركة الجسد ونبرة الصوت لإيصال مشاعر الشخصية.
وكان يهتم بجذور الشخصية وظروفها النفسية والاجتماعية، فلا يقدمها بوصفها كلمات مكتوبة في النص، بل كإنسان له ماضٍ ودوافع ومخاوف وأحلام.
كما جمع في أدائه بين التراجيديا والكوميديا، وبين الشخصية الشعبية والتاريخية، واستطاع أن يمنح كل دور ملامحه الخاصة من دون أن يكرر نفسه.
📌 فنان من ذاكرة الوطن
ليس سامي قفطان نجم مرحلة عابرة، بل شاهد حي على مسيرة الفن العراقي وتحولاته. فقد عاش زمن ازدهار السينما والمسرح والتلفزيون، وواجه مع زملائه سنوات التراجع والظروف الصعبة، لكنه ظل وفيًا للفن ومتمسكًا برسالته.
أكثر من ستة عقود من العطاء جعلت اسمه جزءًا أصيلًا من تاريخ المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة في العراق. وسيبقى واحدًا من الوجوه التي كلما ظهرت على الشاشة، شعر العراقيون أنهم يلتقون جزءًا من ذاكرتهم وملامح وطنهم.
🔍 المصادر والمراجع
-
اتحاد إذاعات الدول العربية – السيرة التعريفية للفنان سامي قفطان.
-
جريدة الزوراء العراقية – «سامي قفطان نجم مضيء في سماء المسرح والسينما والتلفزيون» – ظافر جلود.
-
مجلة الشبكة العراقية – مادة «يُحكى أن...».
-
وكالة الأنباء العراقية «واع» – لقاءات وتقارير فنية عن الفنان سامي قفطان.
-
جريدة الصباح العراقية – أخبار المشاركات الدرامية الحديثة للفنان سامي قفطان.
-
موقع السينما.كوم – السيرة الفنية وقائمة أعمال سامي قفطان.




0 تعليقات