بقلم: وجدي نياز الدين أكبر
عيسى بن مريم... ومعلمان مسيحيان في الذاكرة
كلما حلّت أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية، أتذكر مولد النبي المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام)، الذي كان معجزة إلهية؛ فقد حملت به السيدة مريم العذراء بأمر الله وقدرته، من غير أن يمسّها بشر.
مرت على مريم (عليها السلام) أيام عصيبة خلال فترة حملها، فاعتزلت قومها، وخشيت ما ستواجهه من اتهامات، حتى تمنّت الموت من شدة ما ألمّ بها. وبعد ولادتها، جاءها قومها مستنكرين، فأشارت إلى وليدها، فأنطقه الله في المهد دفاعًا عن والدته، قائلًا:
﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارا شَقِيًّا﴾.
وذلك عيسى ابن مريم، قول الحق الذي فيه يمترون.
وقد أيّد الله النبي عيسى (عليه السلام) بمعجزات عديدة؛ فكان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، فضلًا عن كلامه في المهد.
ولم تكن دعوة المسيح خالية من الاعتراض؛ فقد واجه من قومه من كفر برسالته ومكر به، كما واجه نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) الأذى والرفض حين نشر رسالة الإسلام في مجتمع كانت تسوده العصبية القبلية والتفاوتات الاجتماعية. وقد تحمّل الرسول ما تعرّض له من اضطهاد، ثم خاض المسلمون معارك عديدة دفاعًا عن دينهم ووجودهم.
ووصف القرآن الكريم طائفة من النصارى بالقرب والمودة من المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. وهم في الخطاب القرآني من أهل الكتاب.
كما يذكر القرآن أن عيسى (عليه السلام) بشّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، وتذكر المرويات الإسلامية نزول عيسى في آخر الزمان. وفي العقيدة المسيحية يمثل الصليب رمزًا دينيًا أساسيًا، بينما يقرر القرآن الكريم، وفق العقيدة الإسلامية: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾، وأن الله رفعه إليه.
ومن خلال حياتي، لمست لدى كثير من المسيحيين تمسكًا بتعاليم دينهم، وترابطًا وتكافلًا اجتماعيًا جميلًا. وطوال مسيرتي الدراسية عرفت اثنين من الأساتذة المسيحيين، فوجدتهما حريصين على ديمومة العلاقات الاجتماعية بين أطياف مجتمعنا العراقي، ومخلصين في أداء واجباتهما.
كانت الأولى الآنسة نجاة عبوش إبراهيم، التي درّستنا مادة الكيمياء في الصف السادس العلمي بإعدادية طوز خلال العام الدراسي 1978–1979، وهي من منطقة ألماس في كركوك.
كانت موضوعات الكيمياء واسعة وكثيفة آنذاك، فبادرت إلى تخصيص جزء من وقتها واستراحتها لإعطائنا أربعة دروس إضافية أسبوعيًا. وكانت تطلب منا الحضور إلى المدرسة في الساعة السابعة صباحًا، أي قبل بدء الدوام بساعة كاملة.
وفي أيام الشتاء، كنا نأتي إلى المدرسة والدنيا ما تزال مظلمة، فتستقبلنا لتشرح لنا المادة بكل همة وإخلاص. وبفضل جهودها أكملنا المنهج من دون مقابل، وحققنا نتائج مبهرة.
انقطعت أخبارها عني بعد ذلك، ثم علمت أنها استقرت في قضاء المحمودية. وعلى الرغم من مرور ما يقارب نصف قرن على تدريسها لنا، فإن فضلها لا يُنسى، وما زلت أتمنى لقاءها لأشكرها على ما بذلته من جهود كبيرة في سبيل نجاحنا.
أما الأستاذ المسيحي الثاني فهو الدكتور متي اسطيفان البناء، الذي كان يحاضرنا في مادة الطب الباطني خلال المرحلة الثانية في معهد الصحة العالي بكركوك، في العام الدراسي 1980–1981.
كان يدرّسنا بكل تفانٍ وإخلاص، ولا يهدر دقيقة واحدة من وقت المحاضرة. وكان يتمتع بروح كريمة متواضعة، فيعاملنا بعد انتهاء الدرس كزملاء، بل كان أحيانًا، إذا رآنا في الطريق، يُقلّنا إلى المعهد بسيارته الخاصة. واستمرت علاقتنا الطيبة به حتى بعد تخرجنا عام 1981.
وفي تسعينيات القرن الماضي، أخذت إليه مريضًا كان يشكو من خفقان في ضربات القلب. وبعد أن فحصه، أخبره بأن الخفقان ناتج عن انخفاض ضغط الدم، وكتب له العلاج. سألته حينها:
– يا دكتور، ألا يحتاج المريض إلى تخطيط للقلب؟
فأجابني بثقة:
– أنا واثق من تشخيصي، ولا يحتاج إلى شيء آخر.
وقد بدا لي من موقفه أنه لم يكن يسعى إلى تحميل المريض فحوصات لا يراها ضرورية. وكان الدكتور متي من أمهر أطباء كركوك، وحاصلًا على شهادة الدكتوراه من إدنبرة في بريطانيا، وكانت عيادته مكتظة دائمًا بالمرضى.
بعد عام 2003 لم أعد أرى عيادته ولا لافتة اسمه، فسألت عنه سيدة مسيحية كانت تعمل لدى أحد الأطباء، فأخبرتني بأن الدكتور متي قد ترهّب؛ أي تفرغ للعبادة، واختار حياة الرهبنة والزهد.
ظل الدكتور متي في ذاكرتي مثالًا للطبيب المخلص والمتواضع، وما أحوج مهنة الطب في أيامنا إلى أمثال هذا الإخلاص والنزاهة والرحمة بالمرضى.
هذا ولكم تحياتي، أحبتي الأعزاء.

0 تعليقات