عراق

مدارس تعمل بنظامين.. هل يدفع الطالب ثمن نقص الأبنية




تحقيق: علي حسين
وكالة صدى الثقافية 

من أكثر التحديات التي تتكرر في النقاش حول مشكلة الأبنية المدرسية والدوام المتعدد مسألة الوقت المتاح للعملية التعليمية. فكلما زاد الضغط على المدرسة، أصبحت إدارة الجدول عملية أشبه بحل معادلة صعبة: صفوف كثيرة، وأعداد كبيرة من الطلبة، ومساحة محدودة، ومدرسون متعددون، ومواد دراسية تحتاج إلى وقت كافٍ.

وعندما لا تكفي الساعات، تصبح المواد التي يُنظر إليها باعتبارها غير أساسية أكثر عرضة للاختصار أو التراجع أمام ضغط الجدول، فيما لا تقف آثار المشكلة عند حدود الوقت، بل تمتد إلى طبيعة التعليم والأنشطة والمرافق المدرسية.

تراكم المشكلات سبب أزمة المدارس المزدوجة

يقول الأستاذ عمار رافد إن الدوام المزدوج في المدارس العراقية هو نتيجة تراكم مجموعة من المشكلات، أبرزها النقص في الأبنية المدرسية مقارنة بأعداد الطلبة، إضافة إلى النمو السكاني والتوسع العمراني الذي لم يرافقه بناء مدارس جديدة بالسرعة الكافية.

ويضيف أن المدرسة الواحدة أصبحت، نتيجة لذلك، تستقبل طلبة في الدوام الصباحي وآخرين في الدوام المسائي، لتتحول هذه الحالة من حل مؤقت إلى واقع مستمر في كثير من المناطق.

الأمر أثّر كثيراً  في جودة التعليم

ويقول أستاذ التربية الفنية أنور صباح إن التحديات لا تقتصر على ازدحام الصفوف أو ضغط الوقت، وإنما تمتد إلى جودة العملية التعليمية بشكل عام، فالدوام المزدوج يضع ضغطاً كبيرا على البنية التحتية للمدرسة، ويؤثر في استخدام الساحات والمختبرات والمرافق، كما يحد من قدرة الطلبة على ممارسة الأنشطة الرياضية والفنية والثقافية بصورة منتظمة.

ويضيف: «أعتقد أن أكثر ما يتضرر هو النشاط المدرسي، لأن الوقت المتاح يصبح محدوداً، وغالبا ما تكون المواد التي تحتاج إلى مساحة وتطبيق عملي أول ما يتأثر بهذا الضغط».

بناء المدارس هو الحل الأمثل

ويرى الأستاذ التربوي أحمد جاسم أن معالجة الدوام المزدوج لا تكون فقط بتنظيم الجداول، وإنما تحتاج إلى معالجة أصل المشكلة من خلال التوسع في بناء المدارس، وتأهيل الأبنية الموجودة، وتوفير بيئة تعليمية تسمح للطالب بالحصول على حقه في التعليم والرياضة والفن والنشاط المدرسي، وليس الاكتفاء بتوفير مقعد دراسي داخل الصف.

ازدواج الدوام مؤثر رئيسي في تدني مستوى التعليم





وتذكر التربوية نوران أرسلان أنها، ومن واقع عملها في التدريس، ترى أن الدوام المزدوج، ولا سيما في المدارس التي تضم مدرستين أو حتى ثلاث مدارس في بناية واحدة، يؤثر بصورة واضحة في مستوى استيعاب الطلبة وفي قدرة المدرّس على تقديم المادة بالطريقة التعليمية المطلوبة.

وتقول إن الحصة الدراسية في وضعها الطبيعي تستغرق نحو 45 دقيقة، وهي مدة يحتاجها المدرس لتقديم المادة ومناقشتها والتأكد من استيعاب الطلبة لها، إلا أن هذه المدة تتقلص في الدوام المزدوج أو الثلاثي، وقد تصل في بعض الأحيان إلى نحو نصف ساعة.

وتضيف: «هنا لا نفقد دقائق من الحصة فحسب، وإنما نفقد جزءًا من العملية التعليمية نفسها».

وتوضح أرسلان أنها تعتمد في التدريس على استراتيجيات حديثة، ومنها نموذج 5E التعليمي، الذي يمر بمراحل مترابطة تبدأ بإثارة اهتمام الطالب وربط معرفته السابقة بالموضوع الجديد، ثم الاستكشاف والتفسير والتوسع في المفهوم، وصولًا إلى التقويم.

وتؤكد أن تطبيق هذه المراحل يحتاج إلى وقت كافٍ وتفاعل حقيقي داخل الصف، وهو أمر يصبح بالغ الصعوبة عندما تُختصر الحصة إلى ثلاثين دقيقة تقريبًا أو أقل.

كما تشير إلى أن توقيت الدوام نفسه يؤثر في الطرفين، الطالب والمدرّس؛ فالطالب الذي يأتي في ساعة متأخرة من اليوم قد يكون قد استنفد جزءًا كبيرًا من طاقته وتركيزه، وكذلك المدرس، خصوصا  أن تغيير وقت الدوام يربك نظام اليوم من حيث النوم والراحة والطعام والاستعداد النفسي والذهني للعملية التعليمية.

لذلك، بحسب أرسلان، فإن القضية ليست في عدد ساعات الدوام فقط، بل في نوعية التركيز والانتباه خلال تلك الساعات.

ومن النتائج الأخرى لهذا الواقع اللجوء إلى اختصار بعض أجزاء المنهج من أجل إكمال المقرر ضمن المدة المتاحة. وقد يستطيع الطالب اجتياز صف دراسي والحصول على درجة جيدة، لكن المشكلة تظهر بصورة أكبر عندما يصل إلى المراحل النهائية، إذ يكتشف أن لديه فجوات معرفية تراكمت من السنوات السابقة بسبب عدم أخذ المواد بصورة متكاملة وعدم وجود وقت كافٍ للتغذية الراجعة والتطبيق.

وهذا يضع عبئا  إضافياً على مدرس المرحلة النهائية أيضًا، لأنه لا يبدأ دائمًا مع طالب مهيأ معرفيًا للمرحلة التي وصل إليها، وإنما يجد نفسه مضطرًا أحيانًا إلى معالجة النقص في المعلومات السابقة إلى جانب تدريس المنهج الجديد.

وتخلص أرسلان إلى القول: «أرى أن مشكلة الدوام المزدوج والثلاثي لا تتعلق بالازدحام أو توقيت الدوام وحدهما، بل تمتد إلى جودة التعليم نفسها».

أرقام تكشف حجم المشكلة



وبحسب بيانات هيأة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية للسنة الدراسية 2023–2024، بلغ إجمالي عدد المدارس الابتدائية في العراق 19,518 مدرسة، منها 8,393 مدرسة تعمل صباحًا وظهرًا، أي ما يقارب 43% من مجموع المدارس الابتدائية.

وتكشف البيانات كذلك أن المدارس الحكومية الابتدائية وحدها بلغ عددها 17,616 مدرسة، منها 8,282 مدرسة تعمل صباحًا وظهرًا، ما يعكس حجم الاعتماد على الدوام المتعدد في استيعاب أعداد التلاميذ.




الحل يبدأ من أصل المشكلة

المطلوب اليوم ليس حلولًا ترقيعية، وإنما خطة واضحة ومعلنة لمعالجة ملف الأبنية المدرسية، تبدأ بتحديد حجم العجز الحقيقي، وتحديد المناطق الأكثر حاجة، وتسريع بناء المدارس وتأهيل الأبنية الموجودة، مع ضمان أن تكون الأبنية الجديدة مجهزة بالساحات والقاعات والمختبرات والمرافق التي تسمح للطالب بالحصول على تعليم متكامل.

فالاستثمار في المدرسة ليس إنفاقاً  إضافياً ، بل هو استثمار مباشر في مستقبل الطالب والمجتمع، لأن توفير مقعد للطالب قد يحل مشكلة المكان مؤقتا، لكنه لا يكفي وحده لصناعة تعليم جيد.

التحقيقات

إرسال تعليق

0 تعليقات