تحقيق: نوران أرسلان
وكالة صدى الثقافية
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مساحة عابرة لتبادل الصور والأخبار، بل تحولت إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية؛ نتعلم من خلالها، ونعمل، ونسوّق، ونتواصل، ونبحث عن المعلومة، وقد نقضي فيها ساعات من يومنا من دون أن نشعر.
وبين من يراها نافذة واسعة للمعرفة والتواصل، ومن يحملها مسؤولية هدر الوقت وتراجع العلاقات وانتشار الشائعات والمحتوى الهابط، يبرز سؤال أساسي:
هل المشكلة في السوشيال ميديا نفسها، أم في الطريقة التي نستخدمها بها؟
طرحت وكالة صدى الثقافية هذا السؤال على مجموعة من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، ثم عرضت أبرز المحاور التي كشفتها إجاباتهم على الدكتور أيوب عبد الحميد، الحاصل على الدكتوراه في علم النفس والسلوك الإنساني، لتحليلها من المنظور النفسي والسلوكي، كما استطلعت رأي الصحفي سرمد جومرد، مصوّر قناة الشرقية، للوقوف على أثر هذه المنصات في الخبر والمعلومة والإعلام.
الجمهور: الأداة واحدة... والتجارب مختلفة
أظهرت إجابات المشاركين اتجاها واضحا نحو ربط فوائد مواقع التواصل وأضرارها بطريقة الاستخدام.
أحد المشاركين (م_أ) رأى أنها سهّلت التواصل بين أفراد المجتمع، وأفادته في العمل وزيادة الثقافة العامة والتعرف إلى مجتمعات مختلفة، لكنه في المقابل تحدث عن هدر الوقت وتفكك بعض العلاقات وكثرة المشكلات، حتى عبّر عن حنينه إلى زمن ما قبل انتشار الإنترنت.
اما مشارك (ع_ح ) كان أكثر تفاؤلاً، فرأى أن فوائد التقنية أكبر من أضرارها إذا استُخدمت بصورة صحيحة، مشيراً إلى تجربته الشخصية في الاستفادة منها في تعلم اللغة الإنجليزية وتسويق عمل خاص كان يمتلكه.
لكنه توقف أيضاً عند جانب أكثر خطورة، تمثل في الابتزاز الإلكتروني وانتشار المحتوى الهابط وتأثيره في الأجيال الناشئة.
وتكررت فكرة الاستخدام الواعي في إجابات أخرى؛ فمشارك رأى أن الضرر يزداد عندما لا يعرف الإنسان كيفية استخدام هذه المنصات، بينما وجد فائدتها الأساسية في إمكانية التعلم في أي وقت وبوسائل متعددة.
وقال آخر ( م_م) إن الإنسان إذا استخدم السوشيال ميديا بذكاء كانت فائدتها أكبر من ضررها، فيما أكدت مشاركة (م _م) أنها استفادت منها بصورة كبيرة في التعلم واكتساب المعرفة.
وجاء رأي (أ. و) ليؤكد الفكرة نفسها: النتيجة تعتمد على ما يبحث عنه المستخدم وكيف يوظف المنصة.
لكن المشاركة (ش_أ) قدمت تجربة مختلفة وأكثر مباشرة، إذ قالت إن استخدامها غير المنظم للسوشيال ميديا جعلها تستهلك وقتها وتؤثر في قدرتها على إنجاز أعمالها.
وهكذا برز من العينة الصغيرة التي استطلعتها الوكالة اتجاه متكرر يرى أن طريقة الاستخدام عامل أساسي في تحديد الفائدة والضرر، مع تكرار التعلم والمعرفة كفوائد بارزة، وهدر الوقت والاستخدام المفرط والمشكلات الاجتماعية في الجانب الآخر.
وهذه الآراء تمثل أصحابها، ولا تشكل استطلاعا إحصائيا ممثلًا للمجتمع.
🧠 د. أيوب عبد الحميد: المسألة لا تتوقف عند إرادة المستخدم
يقدم الدكتور أيوب عبد الحميد، دكتوراه في علم النفس والسلوك الإنساني، قراءة أكثر تعقيدا لفكرة أن الأمر يعتمد فقط على طريقة الاستخدام.
ويرى أن وصف السوشيال ميديا بأنها أداة محايدة قد يكون مقبولاً من زاوية عامة، لكن الصورة من المنظور العصبي والنفسي أكثر تعقيداً؛ لأن المستخدم لا يتعامل مع مساحة فارغة، وإنما مع منصات تحتوي على خصائص مصممة لجذب الانتباه وتشجيع استمرار التفاعل.
🧠 وتشير إرشادات جمعية علم النفس الأمريكية المتعلقة باستخدام المراهقين للسوشيال ميديا إلى أن التأثير لا يتحدد بعامل واحد، بل يرتبط بخصائص الفرد والمحتوى والسياق وخصائص المنصة نفسها.
🧠 لماذا نعرف أننا نهدر الوقت... ثم نستمر؟
يفسر د. أيوب ذلك، من بين عوامل أخرى، بما يُعرف بـالتفضيل اللحظي؛ إذ قد ينجذب الإنسان إلى مكافأة فورية وسريعة، مثل إشعار أو تفاعل جديد، على حساب مكافأة مؤجلة تحتاج إلى جهد ووقت، مثل الدراسة أو إنجاز مشروع.
🧠 كما يشير إلى دور الخوف من تفويت ما يحدث (FOMO) والشعور بالحاجة إلى البقاء حاضرًا داخل الجماعة الرقمية.
وهنا تكتسب تجربة المشاركة التي قالت إن السوشيال ميديا تستهلك وقتها رغم إدراكها لذلك أهمية خاصة؛ لأنها تنقل القضية من النقاش النظري إلى تجربة يومية ملموسة.
🧠 متى يصبح الاستخدام مشكلة؟
بدل الحكم على المشكلة بعدد الساعات وحده، يلفت د. أيوب إلى أهمية النظر إلى تأثير الاستخدام في حياة الإنسان ووظائفه اليومية.
ومن العلامات التي تستحق الانتباه: الاستمرار في الاستخدام رغم آثاره السلبية، وصعوبة التوقف، وتجاوز الوقت الذي كان الشخص ينوي قضاؤه، وتأثر الدراسة أو العمل أو العلاقات، أو استخدام المنصة بصورة متكررة للهروب من مشاعر مزعجة.
🧠 وتشير جمعية علم النفس الأمريكية أيضًا إلى مجموعة من مؤشرات الاستخدام الإشكالي، من بينها الرغبة في التوقف أو التقليل مع عدم القدرة على ذلك، وقضاء وقت أطول من المقصود، وتأثر الدراسة والمهام والعلاقات المهمة.
🧠 قريبون بالشاشة... فهل نحن قريبون حقًا؟
ظهرت في إجابات المشاركين مفارقة لافتة: بعضهم عدّ التواصل من أبرز فوائد السوشيال ميديا، بينما رأى آخر أنها قد تضعف العلاقات.
ويشير د. أيوب إلى أن مواقع التواصل تستطيع توسيع شبكة المعارف والعلاقات، لكن كثرة الاتصالات لا تعني بالضرورة عمق العلاقة الإنسانية.
فالتواصل المباشر يحمل عناصر لا تنقلها الشاشة دائمًا بالصورة نفسها، مثل لغة الجسد ونبرة الصوت والحضور والتفاعل العاطفي المتبادل.
وبذلك قد يجد الإنسان نفسه محاطًا بعدد كبير من المتابعين والمتفاعلين، لكنه لا يحصل بالضرورة على النوع نفسه من القرب الذي توفره العلاقات الإنسانية المباشرة.
🧠 الأطفال والمراهقون... لماذا يحتاجون عناية أكبر؟
تزداد حساسية الموضوع عندما يتعلق بالأطفال والمراهقين.
ويشير د. أيوب إلى أن القدرات المرتبطة بالتنظيم الذاتي والانتباه واتخاذ القرار تستمر في التطور خلال مرحلة المراهقة وبدايات الرشد، ما يجعل التعامل مع المحتوى الرقمي وتصميمات المنصات مسألة تستحق اهتمامًا أكبر.
🧠 وتوصي جمعية علم النفس الأمريكية بأن يتناسب استخدام المنصات وخصائصها مع مستوى نمو الشباب وقدرتهم على التنظيم الذاتي، كما تلفت إلى أهمية الانتباه إلى الاستخدام الذي يتداخل مع النوم والنشاط البدني، وإلى بعض أشكال المقارنة الاجتماعية، ولا سيما المحتوى المرتبط بالمظهر.
ومن هنا يصبح السؤال بالنسبة للأسرة أكبر من مجرد: كم ساعة يستخدم ابننا الهاتف؟ ليصبح أيضًا: ماذا يشاهد؟ ولماذا؟ وكيف يؤثر ما يشاهده في حياته الواقعية؟
📹 الصحفي سرمد جومرد: سرعة انتشار المعلومة لا تعني صحتها
ومن الزاوية الإعلامية، يرى الصحفي سرمد جومرد، مصوّر قناة الشرقية، أن انتشار الصفحات على مواقع التواصل، ومنها صفحات يسعى أصحابها إلى زيادة المشاهدات وتحقيق الرواج، جعل نقل المعلومات في كثير من الأحيان أقل دقة.
ويشير إلى أن كثيراً من الناس أصبحوا يبحثون عما يقال وينشر عبر هذه المنصات من دون إعطاء الاهتمام الكافي لمصداقية المصدر أو مضمون المعلومة، ما قد يؤدي إلى تداول المعلومات قبل التحقق منها والتعامل معها كما لو كانت حقيقة.
ومع ذلك، لا ينكر جومرد الجانب الإيجابي، إذ يرى أن مواقع التواصل أسهمت في زيادة الثقافة والمعرفة، وتسهيل الوصول إلى المعلومات في مجالات التعليم واللغات، فضلًا عن التسويق والإعلان.
أما الوجه الآخر، بحسب رأيه، فيتمثل في انتشار الشائعات والمعلومات المزيفة، وما قد يصاحب ذلك من تنمر وعنف وتداول للمعلومات غير الصحيحة.
📹 هل أصبحت السوشيال ميديا بديلًا عن الإعلام؟
لا يرى جومرد أن مواقع التواصل أصبحت منافسًا حقيقيًا للإعلام المهني؛ فالأخير يمتلك، بحسب رأيه، أدوات العمل الصحفي، وفي مقدمتها المعلومة الموثوقة والمصدر والمراسلون الصحفيون الميدانيون.
وفي الوقت نفسه، أصبحت هذه المنصات جزءاً مهماً من عملية نشر الخبر، إذ تعتمد المؤسسات الإعلامية التقليدية نفسها عليها للوصول إلى جمهور أوسع.
ومن هنا يصفها بأنها وسيلة مساندة للإعلام التقليدي وليست بديلاً عنه.
وهذه النقطة تضع مسؤولية إضافية على المتلقي نفسه: ليس كل ما يصل إلى الشاشة خبراً، وليس عدد المشاهدات أو المشاركات دليلاً على صحة المعلومة.
كيف نستعيد السيطرة؟
لا يدعو د. أيوب إلى هجر مواقع التواصل، وإنما إلى إعادة تنظيم العلاقة معها.
ومن المقترحات التي يقدمها أن يسأل المستخدم نفسه قبل فتح التطبيق: لماذا أدخل الآن؟ وأن يبعد الهاتف عن مكان النوم أو العمل عندما يحتاج إلى التركيز، ويوقف الإشعارات غير الضرورية، ويحدد أوقاتاً واضحة للتفاعل.
كما يدعو إلى قدر من المراجعة الذاتية قبل النشر، عبر سؤال بسيط:
هل ما أنشره يعبر فعلا عني، أم عن الصورة التي أريد أن أصنعها أمام الآخرين؟
والهدف هنا ليس تحويل التكنولوجيا إلى عدو، وإنما استعادة قدرة الإنسان على اختيار متى يستخدمها، ولماذا، ومتى يضع الهاتف جانباً.
📌 من يستخدم مَن؟
تكشف الأصوات التي جمعها هذا التحقيق أن السؤال ليس ببساطة: هل السوشيال ميديا جيدة أم سيئة؟
فالمشاركون أعادوا المسؤولية في معظم إجاباتهم إلى طريقة الاستخدام، بينما أضاف التحليل النفسي عنصرًا آخر: المستخدم يتعامل مع منصات لها خصائص قادرة على جذب انتباهه والتأثير في سلوكه. أما الرؤية الإعلامية فأضافت تحديًا ثالثًا يتمثل في سرعة انتقال المعلومة قبل التحقق منها.
وهكذا تصبح المسؤولية مشتركة بين المستخدم والأسرة وصانع المحتوى والمؤسسة الإعلامية والمنصة نفسها.
لقد منحتنا مواقع التواصل أبوابًا لم تكن متاحة للأجيال السابقة: معرفة في متناول اليد، وتواصلًا يتجاوز الحدود، وفرصًا للتعليم والعمل والتسويق.
لكنها تركت أمامنا سؤالًا يستحق أن نسأله كلما امتدت أيدينا نحو الهاتف:
📌 هل نحن من يستخدم السوشيال ميديا... أم أنها، شيئًا فشيئًا، أصبحت هي التي تحدد كيف نستخدم وقتنا وانتباهنا؟
تحقيق: نوران أرسلان
وكالة صدى الثقافية



0 تعليقات