عراق

حين يخطط القلم



المقال (٦)

بقلم المهندس الاستشاري
عمر رفيق مياس

نفحة من القلم

قبل أن يكون للقلم أن يكتب ما نريد أن نفعله،
علينا أن نعرف أولاً :
ماذا نريد؟ ولماذا؟ وإلى أين؟

فأخطر الخطط ليست تلك التي تفشل…

بل تلك التي تنجح في الوصول إلى غايةٍ خاطئة.

بعد أن حلم القلم…

لم يعد يستطيع أن يبقى في عالم الأحلام.

فالحلم، مهما كان جميلاً ، يظل معلقًا في السماء ما لم يجد طريقا إلى الأرض.

وهنا أمسك القلم بالورقة من جديد، ورسم أول خط.

ثم خطا ثانيا…

ثم ثالثًا.

لم يعد يرسم حلماً هذه المرة، بل يرسم طريقاً إلى الحلم.

وهكذا…

حين يخطط القلم.

التخطيط ليس أن تعرف فقط ماذا تريد، بل أن تعرف كيف تصل إليه، ومتى تبدأ، وما الذي تحتاجه، وما العقبات التي قد تواجهك، وما البدائل إذا تغيرت الظروف.

إنه أن تنظر إلى المستقبل بعين الحلم، لكن بعقلٍ يعرف الواقع.

فالحلم يقول:

أريد.

أما التخطيط فيقول:

كيف؟

قبل أن يخطط المهندس… خطط الإنسان للحرب

ولعل الإنسان عرف التخطيط قبل أن يعرف الهندسة الحديثة.

فالحرب نفسها تبدأ كثيراً قبل أن تبدأ في الميدان.

تبدأ على الخرائط.

خطوطٌ تُرسم، ومسافاتٌ تُحسب، وطرقٌ تُدرس، واحتمالاتٌ تُتوقع، ونقاط قوةٍ وضعفٍ تُحلل.

لكن تخطيط الحرب يحمل وجهين متناقضين:

تخطيطٌ للدفاع…
وتخطيطٌ للهجوم والتدمير.

قد تُرسم الخطة لحماية مدينة، أو صد عدوان، أو إنقاذ أرواح.

وقد تُرسم أخرى لاختراق مدينة، أو تدمير منشأة، أو قطع طريق، أو إسقاط دفاعات.

القلم واحد.

والخريطة واحدة.

والعقل الذي يخطط قد يكون شديد الذكاء في الحالتين.

لكن الغاية هي التي تصنع الفارق.

وهنا يتوقف القلم أمام سؤالٍ أكبر من الخطة نفسها:

هل كل ما نستطيع أن نخطط له، ينبغي أن نخطط له؟

فقد تكون الخطة عبقرية، لكن غايتها مدمرة.

وقد تكون الوسيلة دقيقة، لكن النتيجة مأساوية.

ولهذا فإن التخطيط بلا ضمير قد يجعل الذكاء أكثر خطورة من الجهل.

أما أعظم تخطيط في الحروب، فليس دائمًا كيف ننتصر في المعركة…

بل كيف نحمي الإنسان من أن تصبح الحرب قدره.

فالدفاع ضرورة حين يقع العدوان، لكن السلام يحتاج أيضًا إلى تخطيط:

كيف نمنع الحرب قبل أن تبدأ؟

ثم جاء المهندس… فرسم المستقبل على الورق

وبعد أن خطط الإنسان للحرب، جاء التخطيط ليصبح أساسًا للبناء والتنمية والمشاريع.

المهندس الناجح لا يبدأ مشروعه بالإسمنت والحديد.

لا يذهب إلى الموقع ويقول:

لنبدأ… ثم نفكر.

بل يبدأ من الورق.

يدرس الموقع.

يحدد المتطلبات.

يحسب الأحمال.

يختار المواد.

يرسم المخططات.

يحدد الكميات.

يقدر الكلفة.

يدرس الزمن.

يتوقع المخاطر.

ويضع البدائل.

ثم يبدأ التنفيذ.

فالمخطط ليس مجموعة خطوطٍ على ورقة.

إنه ذاكرة المشروع قبل أن يولد.

كل عمودٍ له مكانه قبل أن يُصب.

وكل جسرٍ له حساباته قبل أن يُقام.

وكل طريقٍ له مساره قبل أن تتحرك عليه أول مركبة.

وكل تفصيلٍ صغير قد يكون وراءه حسابٌ كبير.

ولهذا فالمخطط ليس ترفًا هندسيًا، ولا ورقةً إداريةً نضعها في ملف.

إنه الذي يحول الفكرة من رغبةٍ في البناء إلى إمكانيةٍ للبناء.

والمهندس الناجح يعرف أن:

تعديل خطأٍ على الورق أرخص بكثير من هدم خطأٍ بعد بنائه.

وهذه ليست حكمةً هندسيةً فقط…

إنها حكمة الحياة أيضًا.

كم من قرارٍ كان يمكن إصلاحه لو راجعناه قبل تنفيذه؟

وكم من علاقةٍ كان يمكن إنقاذها لو فكرنا قبل أن نتكلم؟

وكم من مشروعٍ خسرناه لأننا أحببنا سرعة البداية أكثر من دقة التخطيط؟

التخطيط لا يعني الجمود

لكن المخطط الجيد ليس سجنًا.

فالظروف تتغير.

والمعلومات تتغير.

والواقع قد يكشف ما لم نره على الورق.

لذلك قد يعود المهندس إلى مخططه، فيعدله.

وقد يغير رجل الأعمال خطته.

وقد تعيد الدولة ترتيب أولوياتها.

وقد يغير الإنسان طريقه بعد أن يكتشف أنه يسير نحو المكان الخطأ.

وهذا ليس فشلًا.

بل قد يكون عين الحكمة.

فالثبات على الهدف لا يعني الجمود على الوسيلة.

قد تتغير الخطة… ولا تتغير البوصلة.

والإنسان العاقل لا يحب خطته أكثر من حبه للهدف الذي وضعها من أجله.

وماذا عن حياتنا؟

نحن أيضًا مشاريع تمشي على قدمين.

لكن كم منا يعيش بلا مخطط؟

نستيقظ كل صباح، نركض وراء الأيام، ننجز ما تفرضه علينا الظروف، ثم نكتشف بعد سنوات أننا وصلنا إلى مكانٍ لم نخطط للوصول إليه.

التخطيط للحياة لا يعني أن نعرف كل ما سيحدث.

فالحياة لا تعطي أحدًا خريطةً كاملة.

لكنه يعني أن نعرف:

من نحن؟

ماذا نريد؟

ما الذي نستطيع فعله؟

ما الذي يجب أن نتعلمه؟

ما الذي يجب أن نتخلى عنه؟

وما الخطوة التي نستطيع أن نبدأ بها اليوم؟

فالنجاح ليس دائمًا قفزةً كبيرة.

أحيانًا هو خطوات صغيرة، لكنها تسير في الاتجاه الصحيح.

كتابٌ نقرأه.

مهارةٌ نتعلمها.

خطأٌ نتوقف عن تكراره.

عادةٌ نتركها.

وعدٌ نفي به.

وعملٌ ننجزه كل يوم.

ثم ننظر بعد سنوات…

فنكتشف أن الطريق الطويل لم يكن إلا مجموع تلك الخطوات الصغيرة.

حتى الحب يحتاج إلى تخطيط

وقد يبدو غريبًا أن نقول إن الحب يحتاج إلى تخطيط.

لكن الحب، إذا أردناه أن يبقى، يحتاج إلى شيء من الحكمة.

ليس كل قربٍ حبًا.

وليس كل ابتعادٍ جفاء.

أحيانًا نخطط لأن نحمي من نحب من أنفسنا.

أن نقترب حين يكون القرب رحمة.

وأن نبتعد حين يكون الابتعاد احترامًا.

أن نختار الوقت المناسب للكلمة.

وأن نعرف متى نصمت.

أن نحب دون أن نمتلك.

وأن نشتاق دون أن نؤذي.

وهكذا يكتب القلم خطةً لا تشبه خطط المشاريع:

أن أحبك… وأترك لك حريتك.

حين يخطط القلم لوطن

وهنا يصبح التخطيط أكبر من الفرد.

فالوطن لا يبنى بالأمنيات.

لا يكفي أن نقول:

نريد تعليمًا أفضل.

نريد اقتصادًا أقوى.

نريد مدنًا أجمل.

نريد عدالةً ومؤسساتٍ قوية.

كلها أهداف جميلة.

لكن القلم يسأل:

كيف؟

ما الأولوية؟

من المسؤول؟

ما الموارد؟

كم نحتاج من الوقت؟

ما المخاطر؟

كيف نقيس النجاح؟

وماذا نفعل إذا لم تنجح الخطة؟

هذه الأسئلة هي التي تنقل الوطن من الشعار إلى المشروع.

فالأمم التي تعرف ماذا تريد، ثم تعرف كيف تصل إليه، تملك فرصةً أكبر في صناعة مستقبلها.

أما الأمة التي تعيش بلا رؤية، فقد تجد نفسها كل صباح تعالج مشكلة الأمس، دون أن تعرف كيف تمنع مشكلة الغد.

لكن… إلى أين تقودنا الخطة؟

وهنا يصل القلم إلى أصعب الأسئلة.

يمكن أن تكون الخطة دقيقة.

والحسابات صحيحة.

والتنفيذ ممتازًا.

والنتائج ناجحة…

ومع ذلك تكون الخطة سيئة.

لماذا؟

لأن النجاح في تنفيذ الخطة لا يعني أن الغاية كانت صحيحة.

وهنا يظهر الفرق بين الذكاء والحكمة.

الذكاء يسأل:

كيف نصل؟

أما الحكمة فتسأل أولًا:

إلى أين نذهب؟

والضمير يسأل:

ومن سيتأذى إذا وصلنا؟

لهذا فإن القلم الذي يخطط يحتاج إلى ثلاثة أشياء:

عقلٌ يرسم الطريق،
وخبرةٌ تعرف العقبات،
وضميرٌ يعرف أين يجب أن يتوقف.

فليس المهم أن ننجح في كل خطة.

المهم ألا ننجح في شيءٍ نندم عليه.

من الحلم إلى البناء

وهكذا…

بدأت الحكاية بحلم.

ثم جاء التخطيط.

ثم تحولت الفكرة إلى خطوط.

والخطوط إلى مخططات.

والمخططات تنتظر يدًا تحولها إلى واقع.

فالصفحة لم تعد بيضاء.

لقد امتلأت بالأسئلة، والحسابات، والطرق، والبدائل، والاحتمالات.

والآن يقف القلم أمام لحظةٍ جديدة.

لقد حلم.

ثم خطط.

فهل يستطيع أن يبني؟

هل يستطيع أن يحول ما كتبه إلى شيءٍ يراه الناس، ويلمسونه، ويعيشون فيه؟

هنا يضع القلم آخر نقطة في مخططه…

ثم يرفع رأسه.

ويقول:

حان وقت البناء.

وما زالت للقلم حكاية…

فالقلم لا يحمل الحبر وحده… بل يحمل ضمير صاحبه.

انتظروا المقال [٧]
حين يبني القلم

إرسال تعليق

1 تعليقات

  1. شكرا للدكتور الفاضل حسين رئيس مؤسسة الفنار على نشر مقالتنا في صدى الثقافة وًنسال الله ان يوفقه في خدمة الأمة و القلم و العلم

    ردحذف