بقلم المهندس عمار كهية
27/8/2026
ملف التجاوزات على الأراضي والعقارات يحتاج إلى معالجة متوازنة تحفظ هيبة الدولة وتضمن تطبيق القانون، وفي الوقت نفسه تراعي الظروف الاجتماعية والمعيشية للمواطنين.
ليس من الصحيح التعامل مع جميع التجاوزات بالطريقة نفسها؛ فهناك من يستغل أراضي الدولة لتحقيق منفعة شخصية، وهناك أسر فقيرة لم تجد بديلاً للسكن، أو يئست من مشاريع سكنية لا تلبي حجم الحاجة، فلجأت إلى شراء أراضٍ زراعية والبناء عليها.
لذلك، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون إجراء مسح شامل وتصنيف دقيق للتجاوزات من قبل البلديات، وفق معايير واضحة وموحدة.
أما الحالات التي يمكن تسويتها قانونياً، ولا تتعارض مع الطرق والمشاريع الاستراتيجية والمرافق العامة، فيمكن دراسة تمليكها بأجور مدعومة، خصوصاً أن الدستور ألزم الدولة بالعمل على توفير السكن الملائم للمواطنين.
وفي المقابل، فإن التجاوزات الواقعة على الطرق أو المشاريع الاستراتيجية أو المرافق العامة يجب عدم السماح باستمرارها، ولكن مع معالجة أوضاع أصحابها من خلال توفير بدائل سكنية أو قطع أراضٍ. ويمكن الاستفادة من مشروع توزيع المليون قطعة أرض، وربط ذلك بقروض إسكان ميسرة تساعد الأسر المستحقة على بناء مساكنها.
وبذلك تصبح الإزالة آخر الحلول، لا أولها، مع تطبيق القانون بحزم على من يرفض الحلول القانونية أو يستغل أملاك الدولة لتحقيق منفعة شخصية.
والأهم هو منع الانتقائية؛ فلا يجوز إزالة تجاوز في منطقة وترك تجاوز مماثل في منطقة أخرى. فالقانون يجب أن يُطبَّق على الجميع بمعايير واحدة، لأن الانتقائية تضعف ثقة المواطن بالدولة.
كما أن معالجة التجاوزات تتطلب معالجة أصل المشكلة، وليس الاكتفاء بإزالة آثارها. ومن أبرز أسباب تفاقمها ضعف الإدارة البلدية وتراجع دورها التنظيمي. وكان قرار إلغاء وزارة البلديات والأشغال العامة من العوامل التي أسهمت في إضعاف منظومة التخطيط والتنظيم البلدي وتفاقم الفوضى العمرانية.
لذلك، فإن العراق بحاجة إلى إعادة النظر في هيكلية العمل البلدي، وتعزيز صلاحيات البلديات ومواردها، واعتماد أساليب الإدارة والتخطيط الحضري المعمول بها دولياً، بما يتناسب مع واقع العراق، بعيداً عن التنظير والتعقيد الإداري.
إن الدولة القوية ليست التي تزيل التجاوزات بالقوة فقط؛ فقد تؤدي المعالجة الخاطئة إلى نتائج اجتماعية وأمنية خطيرة، وقد رأينا كيف يمكن أن تتطور بعض حالات إزالة التجاوزات إلى مواجهات مؤسفة، سقط فيها ضابط برتبة عميد ومنتسب ومواطن شهداء.
إن القوة الحقيقية للدولة تكمن في قدرتها على معالجة أسباب التجاوز، وتوفير البدائل، وحماية أملاكها ومشاريعها، وتطبيق القانون بعدالة على الجميع.

0 تعليقات