الجمال اما يخلق هذا من شأن الخالق العظيم واما يصنع وهذا دأب البشر ذو العقل النير وكل جميل يتبناه فنان موهوب حسب اختصاصه سواءا أيكون تخطيطا عمرانيا عملاقا أو فنا تشكيليا كالنحت والرسم أو ألحانا موسيقية وكذلك كتابة الشعر والسجع كل ذلك أساسه يخطط في الدماغ بفترة وجيزة ثم يأتيه المخاض ويلد من رحم الذاكرة ويتلقاه المتلقي بصورة مبهرة تذهل القلوب .
يتوقف جمال الشعر أو المقالة على نباهة الكاتب وأكاديميته وخياله الواسع وذوقه الرفيع والكاتب الحر الأدبي الرصين لايبخس من فن مهنته ولا يهرع وراء الملذات للتزلف عند أصحاب السلطة أو السيادة فتراه دائما وقورا مبهما من الصعب فهم دواخله وهو يباغت ناسه ومعارفه بروائع نتاجاته التي أكثرها تكون من الماضي السحيق ويتمكن بمخيلته الدقيقة تصوير قصة حياة الشخص الذي مضى الى سبيله منذ القدم واعادته الى الواقع من حيث تصرفاته وعمله ومسكنه وأهله وأحبائه وجيرته والحي الذي كان يسكن فيه.
أحلى شيء يروق للكاتب هو السرد عن سيرة البسطاء من الناس الذين قضوا أعمارهم في كسب لقمة العيش بعرق جبينهم وبجهد جهيد مقتنعين بمعيشتهم المتواضعة وهم بعيدين كل البعد عن خدع السياسة والمكر والدجل .
أبصرت للدنيا وأنا صبي في مطلع ستينيات القرن الماضي ونحن أصلاء التركمان نقطن مدينتنا العزيزة طوز خورماتو في حي جقلة التي كانت معروفة بناسها الطيبين وهم من الوجهاء وكل وجيه كان ينادى بلقبه الخاص وكل فرد الذي ينادى باسمه الثلاثي بلا لقب لايعرفه أحد وكانوا يعتبروه من دخلاء المدينة . عاصرت العقد الأول من حياتي رجلا وهو طاعن في السن مسكنه كان يجاور مسكن جدي (أكبر ايلان گوز) وهو الحاج أحمد سمين قورخماز المعروف بلقبه (ده للي أحمد) وهو أب لأربعة أولاد :- جعفر ، موسى ، كاظم ، ناظم وبنتا واحدة اسمها مسكي تزوجها ابن عمها حسين اسماعيل .
أشقاؤه الاثنين مع ألقابهما :- أمين جندر , اسماعيل أربعة قروش
حين معرفتي بالحاج (ده للي أحمد) وهو أصغر أشقاؤه وجدته يسكن في بيت متواضع المبني من لبن وطين في زقاق ضيق مقدمة الزقاق كانت فيها تنور من طين تخبز فيه زوجته هيبت بنت علي هي الوحيدة التي كانت تسكن معه في الدار .
الميزة الحلوة التي كانت فيه انه رجل عصامي اعتمد على نفسه في كسب قوته الى آخر يوم من حياته حيث كان يذهب منذ الفجر الى بستانه عبر نهر آق صو من جهة الشرق ويرجع في الساعة الخامسة عصر كل يوم ويأتي بما يقطف من الثمار وينزله في السوق ويترزق منه ثم يعود الى البيت ويربط حماره في الزقاق أمام مخبز زوجته والجدير بالقول انه كان رجلا مستقيما صادقا في كلامه ومن أوائل حجاج بيت الله الحرام ومحبا لأهل بيته الكرام ودائم الحضور في المجالس الحسينية والدينية في جامع الرسول الأعظم وهو الأكثر ممن يقيم الصلاة على النبي وآله بنبرة صوته المميزة اذ كان ينطق أي جملة والصلوات كلمة كلمة وعلى راحة فمه وحينما كنت أسمع نداء الصلوات من سماعة الجامع أتيقن انه صوت الحاج ده للي أحمد ولذلك عشق لنطقه مجموعة من شباب المحلة ويتجمهرون في دربه يوميا وينتظرون عودته من بستانه لحظة بلحظة وأوقفوه زهاء ساعة ليستمعون منه أحلى الكلام ألأكثر اعجابا لصوته ويتقمص شخصيته ويقلده قلبا وقالبا هو السراج علي جعفر الملقب ب(علي يلبه) رحمه الله .
ذات يوم سمعت من والدي نيازالدين رحمه الله وهو يقول ان (هيبت) زوجة المرحوم كانت تربي هرة (قطة) وهي تعزها وتهتم بها كثيرا كأنها هي بنت لها عند ظهيرة أحد الأيام اعتلى الصراخ والعويل من صوب منزل ده للي أحمد ركضنا أنا وشباب المحلة للاستغاثة وكان بابهم مسدودا فاضطرينا أن نطرق الباب فأتى الى الباب هو نفسه وقلنا ياحجينا سلامات ما الذي جرى فأجاب بالتركماني (نيتتيم نيتتيم پسيكه بير ماو ايتتيم) يعني كل الذي حصل قلت (ماو) لهرة هيبت وتبين في الحال حسب شهادة زوجته هيبت انه ضرب بقدمه بقوة الى قطتي وهي عزيزتي فحسيت انها ماتت من أثر الضربة ولذلك صرخت صرخة غير شعورية لمدى حبي لها .
يذكر ان (ده للي أحمد) كان ثريا تمكن من شراء راديو حين مجيء الكهرباء الى طوز خورماتو لأول مرة عام 1952م في أحد الأيام قال لزوجته أنا ذاهب الى باب فناء الدار فعليك أن تعلين صوت الراديو لعلني أسمع صوت الراديو كذلك تسمعه المارة ليتيقنوا بأننا نملك راديو.
يقول ألأخ علي ناظم نجل أقدم كهربائي سيارات والخبير القضائي ناظم ده للي أحمد عن لسان أبيه ان والدي كان له محل كهربائي وفيتر ملاصقا لمقهى سيد قلندر في أحد الأيام والدي كان له سيارة (بيك آب) في مطلع خمسينيات القرن الماضي وذات مرة ترجل والدي من سيارته وأبقى السيارة مشغولة واذا جدي الحاج أحمد أقل السيارة وحركها من مكانها وهولايجيد السياقة بتاتا فأول صعوده بالسيارة داس على السكليتر فاصطدم بحائط المقهى جالسي المقهى أصابهم الذعر للحركة المفاجئة الغير الطبيعية للسيارة ووقفت السيارة حالا وانطفت والحجي نزل من السيارة وتجمع جمهور المقهى والمارة فالوا سلامات حجينا لم هذا الحادث فأجابهم بالتركماني صارخا (نيه باستوم بنزين أولدي كليجه باستوم هه بنزين أسطوبه باستوم هه بنزين) مؤداها:- (كل شيء دسته انقلب بنزينا سواءا السكليتر أو الكليج أو البريك) ، أجمل ماسمعت عنه أن أولاده تزوجوا مبكرا وكل واحد صار بيته على حدة والجدير بالقول أن ولده جعفر صار من سكنة كركوك بحكم وظيفته لأنه كان موظفا في نفط الشمال رغم مفارقة بيوت أولاده ولكن لايتركونه بل يزورونه دائما ويقضون حوائجه ويلتفون حوله بالليالي الحلوة ويِئنسونه بالتلاطف والمزاح ويقضون معه أمتع الأوقات ، الحاج أحمد كان له يد معطاء لايرد طلب معارفه وأحبابه حيث تحدث أحد مقربيه انه في عشرينيات القرن الماضي طلب منه علي أفندي مدير بلدية طوز آنذاك أن يبيع له حاج أحمد واجهة داره لقاء ثمن بمساحة 100م مربع ليبني له مضيفا مايسمى بالتركماني (دوخانة) أو(ديوان خانه) فلبى طلبه وحصر داره في زقاق ضيق لأرضاء جاره الذي يقابله في المنزل .
دارت الأيام ومضت ثلاثة عقودا من عمري تعينت بصفة (معاون طبي) في مستشفى طوز العام وذلك في مطلع تسعينيات القرن الماضي وتحديدا يوم31/7/1990م وبدأت أعمل في طواريء مستشفى طوز العام حينذاك دوامي مسائي كان يتردد الى مكان عملنا عصر كل يوم كاظم الحلاق (بربر كاظم) وهو أحد أبناء الحاج أحمد منزله قريب لمستشفانا وهوميسور الحال وعين الوقت هو رجل معطاء عند كل مجيئه يأتي حاملا بكلتا يديه صينية عريضة فيها من الأكل لبن وقوري شاي وشيء من الخبز والسكر وبعض المعجنات الطيبة أيام الحصار الجائر في أحد مجيئه تكلم عن أيام شبابه وهو يقول والدي ده للي أحمد كان رجلا ذو مزاج عصبي أحيانا كانت تثار مشادة كلامية بينه وبين والدتي تنتهي بزعل والدتي ووالدتي حين زعلها تقصد بيت جدتكم هيبت التي كانت تضمها وتضيفها وتخفف عن شجونها وتبيتها عندها عدة ليالي حتي يتم الصلح التام بينها وبين والدي فترجع والدتي مشكورة من جدتكم هيبت على موقفها المشرف .
هكذا عاش القدماء بمراعاتهم حق الجار على الجار.
وفاة ده للي أحمد تم في أحد أيام تموز اللاهب من عام 1969م وفاته صار مفاجئا لأهل المحلة لأنه ما كان يبدي علامة المرض على محياه شاء الله أن يبيت ليلته وتصبح الصبح وهو مفارق حياته على فراشه وأتى أولاده الطبيب الى منزله ففحصه الطبيب ووجده بلا نبض انه ميت عندئذ قام أهله بتجهيزه وتكفينه في داره ونقل جثمانه الشريف بتابوت على متن سيارة عنجة 18 راكب الى مثواه الأخير في مقبرة وادي السلام في النجف الأشرف ثم شقيقي الذي يصغرني خمس سنين شاهد المشهد بأكمله ولا يدري بوفاة الحاج أحمد لأنه صبي وفي تصوراته الحاج أحمد لاايزال حيا لايموت فرجع الى دارنا مذهولا وتكلم لوالدتي رحمها الله وهومتعجب بالوضع الذي شاهده قائلا ما دريت ببال ده للي أحمد أن أبنائه أرادوا أن يأخذوه فأبى أن يذهب معهم فاضطروا أن يأتوا بصندوق وأدخلوه فيه وأخذوه مرغما هذا

0 تعليقات