بقلم: نبيل كوزه جي
في الأول من تموز عام 1936، كانت بغداد على موعدٍ مع التاريخ؛ حيث افتتح رئيس الوزراء في العهد الملكي، الراحل ياسين الهاشمي، "إذاعة بغداد"، لتدخل البلاد عصر الأثير كبوابةٍ ثقافية ثانية في العالم العربي بعد إذاعة القاهرة (المولودة في 31 مايس 1934).
ومن خلف المذياع، انساب صوت الراحل عبد الستار فوزي ليشق صمت الفضاء بعبارته الخالدة: "هنا بغداد... محطة الإذاعة اللاسلكية العراقية"، معلنا ولادة فجرٍ جديد. وفي ذلك العهد الندي، وقّع الراحل محمود المعروف اسمه في سجل التاريخ كصاحب أول برنامج إذاعي، لتكتمل لوحة الإبداع عام 1943 بانضمام الآنسة فكتوريا نعمان كأول صوت نسوي عراقي يصافح الآذان عبر الأثير.
ليلة غيّرت وجه العاصمة
عشية ذلك الأربعاء الصيفي من عام 1936، هجرت بغداد بيوتها. تجمهر الأهالي في الساحات العامة والحدائق، يلتفون بشغف وذهول حول أجهزة الراديو المنصوبة هناك. كان المشهد سحريا؛ فالكثير منهم لم يستوعب بعد كيف لهذا الصندوق الخشبي الأنيق، بأزراره العاجية ولوحته الزجاجية المتوهجة، أن ينطق بلسانٍ عراقي مبين، وأن يحمل الأغاني والأخبار إلى الناس بمجرد تحريك مؤشر صغير.
حكاية الصندوق العجيب
ولم يكن هذا السحر وليد تلك الليلة؛ فجذور الحكاية تمتد إلى عام 1928، حين دخل المذياع شوارع بغداد لأول مرة كأثمن جائزة في مسابقة صحفية مبتكرة أطلقها عبد العزيز البغدادي، صاحب شركة الدخان العراقي، للترويج لبضاعته. وكانت تلك الواقعة إعلانا شعبيا عن دخول هذا الاختراع المدهش إلى الحياة العراقية، إذ عُدَّ آنذاك تحفةً نادرة لا يمتلكها إلا القليل.
ومع حلول الثلاثينيات، تحولت مقاهي المدن العراقية إلى منتديات ثقافية مفتوحة، يتجمع فيها الناس حول جهاز الراديو لسماع نشرات الأخبار، والأغنيات، والمقامات العراقية، والبرامج الثقافية، فغدا المذياع نافذة العراقيين على العالم، وجسرًا يربط المدن والقرى بصوتٍ واحد.
مدرسة صنعت النجوم
لم تكن إذاعة بغداد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل كانت مدرسةً حقيقية خرّجت أجيالاً من المذيعين والمذيعات، والمخرجين، والكتّاب، والموسيقيين، والمطربين. فمن استوديوهاتها انطلقت أصوات أصبحت جزءاً من الذاكرة العراقية، وأسهمت في ترسيخ اللغة العربية الفصيحة، ونشر الثقافة، ورعاية المواهب الفنية والأدبية.
كما احتضنت الإذاعة الدراما الإذاعية، والبرامج التعليمية، والأمسيات الشعرية، والنقل المباشر للمناسبات الوطنية، فكانت رفيقة البيوت العراقية في الفرح والحزن، وفي ساعات الصباح والمساء.
صوتٌ لم ينطفئ
ورغم ما مرّ على العراق من حروب وأزمات وتحولات سياسية، بقيت إذاعة بغداد حاضرةً في وجدان العراقيين. تبدلت الأجهزة، واختلفت وسائل الاتصال، وظهرت الفضائيات والمنصات الرقمية، لكن عبارة "هنا بغداد" بقيت تحتفظ بسحرها وهيبتها، لأنها لم تكن مجرد افتتاحية بث، بل كانت إعلانًا عن هوية وطنٍ وصوت شعب.
واليوم، وبعد تسعين عاما على انطلاقها، لا تُحتفى إذاعة بغداد بوصفها مؤسسة إعلامية فحسب، بل باعتبارها ذاكرةً وطنيةً وثّقت تفاصيل الحياة العراقية، وحفظت أصوات الرواد، ونقلت نبض المجتمع عبر العقود، لتبقى قيثارة الأثير التي عزفت لحن العراق، وما زالت أصداؤها تتردد في ذاكرة الأجيال.
"هنا بغداد"... عبارةٌ تجاوزت حدود الإذاعة، لتصبح جزءا من الذاكرة العراقية، ورمزاً لصوت وطنٍ لم يتوقف يوماً عن الحكاية.

0 تعليقات