عراق

14 تموز 1959... عندما تحولت كركوك من ساحة احتفال إلى ساحة مأساة



بقلم: نوران أرسلان
تحتفظ الأمم بذاكرتها، كما تحتفظ المدن بجراحها، وتبقى بعض الأيام شاهدة على أحداث لا تمحوها السنوات مهما تعاقبت. ومن تلك الأيام، ما شهدته مدينة كركوك في 14 تموز 1959، حين تحولت الذكرى الأولى لثورة 14 تموز من مناسبة احتفال وطني إلى واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخ المدينة الحديث.
خرج المواطنون إلى الشوارع وهم يشاركون في الاحتفالات، غير أن تلك الأجواء سرعان ما تبدلت إلى أعمال عنف دامية، كان أبناء المكون التركماني من أبرز ضحاياها. ففي ظل حكم الزعيم عبد الكريم قاسم، شهدت كركوك انفلاتاً أمنياً خطيراً او مؤامرة مقصودة عجزت السلطات عن احتواء الأحداث ومنع الاعتداءات التي استهدفت المدنيين.
ولم تتوقف المأساة عند سقوط الضحايا، بل تشير العديد من الشهادات والروايات التاريخية إلى أن بعض الجثامين تعرضت للتنكيل بعد مقتل أصحابها؛ إذ عُلقت جثامين على الأشجار وفي الساحات العامة، وسُحلت أخرى في شوارع المدينة أمام أنظار الناس، في مشاهد هزت الضمير الإنساني وخلّفت جرحاً لا يزال حاضراً في الذاكرة الجماعية للتركمان. كما تذكر بعض الشهادات أن أحد المعتدين أخذ ينادي ساخرا عارضا جثمان أحد الضحايا للبيع بثمن زهيد، في صورة جسدت مدى الانحدار الذي بلغته تلك الأحداث، والاستهانة بحرمة الإنسان حتى بعد وفاته.
لقد تركت تلك الأيام أثراً  بالغا في نفوس أبناء كركوك، ولا سيما التركمان، الذين فقدوا رجالاً وشباباً من خيرة أبنائهم، ولم تكن خسارتهم في الأرواح وحدها، بل في الشعور بالأمان والثقة، بعد أن تحولت مدينة التعايش إلى ساحة للعنف والانتقام.
إن استذكار هذه الذكرى لا يهدف إلى إحياء الأحقاد أو تأجيج الخلافات، وإنما إلى حفظ الذاكرة الوطنية، وإنصاف الضحايا، والتأكيد أن العدالة وسيادة القانون واحترام كرامة الإنسان هي الأساس الذي يحمي المجتمعات من تكرار مثل هذه المآسي.
إن كركوك، التي عُرفت عبر تاريخها بتنوعها وتعايش مكوناتها، تستحق أن يُروى تاريخها بصدق، وأن تُحفظ ذاكرة ضحاياها باحترام، لأن الأمم التي تنسى آلامها قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة عيشها.
رحم الله شهداء أحداث كركوك عام 1959، وألهم ذويهم الصبر، وحفظ العراق وأهله من كل فتنة وفرقة.

إرسال تعليق

0 تعليقات