م. م مأرب أيوب إبراهيم
باحثة تاريخية - كلية التربية بنات - جامعة كركوك
تُعد الحقبة الممتدة بين مؤتمر فيينا عام 1815 واندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 مرحلة مفصلية في تاريخ الفكر الغربي، إذ شهدت ألمانيا تحولاً جذرياً في الممارسة التاريخية انتقل بها من السرد الوصفي البسيط إلى المنهج النقدي الصارم الذي أرسى قواعد البحث الأرشيفي الحديث؛ ورغم أن تلك "الثورة المنهجية" قد منحت الكتابة التاريخية صبغة علمية عالمية إلا أنها لم تكن بمنأى عن التجاذبات الأيديولوجية، إذ وظفت المدرسة التاريخية الألمانية أدواتها البحثية لخدمة مشروع بناء الدولة القومية وترسيخ الهيمنة البروسية مما أدى إلى تقديس كيان الدولة واختزال التاريخ الألماني في صيرورته السياسية والعسكرية على حساب أبعاده الاجتماعية والإنسانية، وهو التحول الذي أسهم في انحراف المسار القومي من حركة تحررية ثقافية إلى نزعة شوفينية إمبريالية بررت التوسع الخارجي، ليقدم بذلك هذا التاريخ نموذجاً جدلياً تتداخل فيه صرامة المنهج العلمي مع الانحيازات الأيديولوجية، مما يجعل من الممارسة التأريخية في تلك الحقبة وثيقة دالة على الازدواجية الوظيفية لعلم التاريخ إذ يعد أداة لبناء الهوية الوطنية ووسيلة لشرعنة السلطة والصراع في آنٍ واحد.

1 تعليقات
مقال مهم
ردحذف