بقلم دكتور ايوب عبد الحميد
قبل سنين عديدة في فترة العمل كطبيب تدرج في القرى و الارياف ..كثيرا ماكنت اسمع عن حالات لامهات بعد الولادة اصبحن يعانين من حالات من اضطراب نفسي شديد من القلق والتوتر والخوف وصولا لعدم القدرة على رعاية الرضيع او الذات .. وكنت استمع إلى قصص بعض الأخوة الكرام الذين يروون تفاصيل التعامل مع هذه الحالات باعتبار انها حالات مس من الجن .
و لربما تغير الفهم والتفسير والمعالجة لهذه الحالات وأصبح التدخل الطبي الدوائي والعلاج النفسي بمؤازرة الدعم الاسري أكثر قبولا وأكثر فاعلية .
كانت اغلب تلك الحالات لامهات يلدن لأول مرة (الطفل البكر ) فلماذا الولادة الأولى تحديداً؟
(الانتقال إلى الأمومة كأزمة نمو)
الولادة الأولى ليست مجرد حدث طبي، بل هي نقطة عبور نفسية واجتماعية عنيفة. إنها الانتقال من حالة "الأنوثة" إلى "الأمومة"، وهذا الانتقال محفوف بالمخاطر النفسية للأسباب التالية:
-
فقدان الهوية السابقة لأول مرة، تفقد المرأة هويتها المستقلة فجأة. كانت "موظفة، زوجة، صديقة، ابنة"، وفجأة تصبح "أم" قبل كل شيء. هذا الفقدان للذات القديمة هو حزن حقيقي غير معترف به.
-
صدمة الواقع مقابل المثال: فالأمومة المتخيلة (طفل هادئ، أم سعيدة، حب فوري) تصطدم بواقع مرهق. في الحمل الأول، التوقعات المثالية تكون في أوجها، والانهيار يكون أقسى.
-
الافتقار إلى "النص المعرفي: لا توجد خبرة سابقة. كل شيء جديد، مخيف، وغير متوقع. الشعور بـ"عدم الكفاءة" يكون في ذروته لأنه لا يوجد دليل ذاتي سابق على النجاح ("هل سأفهم إشاراته؟"، "هل هذه البكاء طبيعي؟").
-
نموذج "الاستعداد العصبي الهرموني": الدماغ في الحمل الأول يمر بـ "تقليم تشابكي" ضخم استعداداً للأمومة، مما يجعله في حالة مرونة عصبية (Neuroplasticity) عالية جداً. هذه المرونة سلاح ذو حدين: تهيئ الأم للتعلم السريع عن طفلها، ولكنها تجعلها شديدة الحساسية للضغط النفسي. هذا التقليم يكون أعمق وأكثر إرباكاً في الحمل الأول.
هذه هي التفاسير العلمية حول لماذا تكون الام في ولادتها الأولى أكثر عرضة لاكتئاب الولادة واكتئاب مابعد الولادة .
وللحديث بقية حول العملية القيصرية واكتئاب مابعد الولادة .
١٩ حزيران. ٢٠٢٦

0 تعليقات