عراق

الكذبة البيضاء بقلم كامل الدليمي







من أصعب المواقف
كنتُ أعمل في المستشفى حين استوقفني شاب. نظر إليَّ وأنا أرتدي صدريتي البيضاء. كان هزيل البنية، شاحب الوجه، في العقد الثاني من عمره.
قال لي: – دكتور، ماذا تقول ورقة التحاليل الخاصة بي؟
فطرة وبساطة مجتمعنا تجعله ينادي كل من يرتدي الصدرية البيضاء بلقب "دكتور"، رغم أنني أعمل في قسم التمريض.
أمسكتُ بالورقة.
كانت ورقةً ككل أوراق المستشفيات، مليئةً بالأرقام والرموز التي تحدد ما بنا من أمراض.
يا إلهي...
كانت الورقة تقول إن صاحب هذا الاسم مصاب بمرضٍ خطير من النوع القاتل، وأنه لم يتبقَّ له الكثير في هذه الحياة.
قال: – ها دكتور، بشّرني... التحاليل زينة إن شاء الله؟ ما بيَّ شيء؟ هل سأعيش؟
وقفتُ متسمراً في مكاني، والورقة بين يدي.
ماذا سأقول له؟
كان الجواب يمزقني من الداخل.
مسافة طويلة امتدت بين صمتي وتحديقي في رعشة يده وارتجاف شفتيه، وهو ينتظر مني كلمةً تطمئنه.
ماذا أجيبه؟
هل أقول له إن ما تبقى له من الأيام قليل، وإنه ضيف عابر في هذه الحياة؟
تظاهرتُ وكأنني لا أعلم شيئاً، فأحياناً يكون التظاهر بالجهل قمة الحكمة.
ماذا أقول له وهو ينتظر مني كلمات الأمل؟
لا يزال صغيراً، ولديه أحلام يريد تحقيقها، ولا يزال في داخله ألف لحن لم يُعزف بعد.
ماذا سأخبره؟
هل أخبره أنه بدأ يعدّ حقائب رحيله عن هذه الدنيا؟
هل أخبره أنه سيرتدي كفن رحلته الأبدية قريباً؟
هل أخبره أنه سيسكن الثرى، ويصبح مجرد ذكرى في خيال من يحبهم، ثم تتلاشى تلك الذكرى شيئاً فشيئاً حتى تستقر في طي النسيان؟
صمتُّ قليلاً... ثم كذبتُ عليه.
كذبةً لا يقف أمامها كل صدق الأرض.
قلت له: – ليس بك أي مرض، وسوف تعيش طويلاً بإذن الله.
رحم الله من اخترع لنا الكذبة البيضاء، فهي أحياناً السبيل الوحيد لعبور مثل تلك المواقف.
ليس من الصعب أن تمسح على رأس يتيم وتقول له إن أباه سيعود، فتمنحه ابتسامةً تضيء طفولته، حتى يكبر ويدرك أن أباه قد رحل إلى غير رجعة.
وليس من الصعب أن تقول لمن يحتضر: – إنك ستعيش.
لتمنحه شيئاً من الأمل في لحظاته الأخيرة.
ثم يرحل...
ويصبح مجرد تراب، وشاخص قبرٍ خُطَّت عليه حروف اسمه.
وتبقى منه حكايةٌ يرويها العابرون.
مجرد خربشات قلم.

كامل دليمي

إرسال تعليق

0 تعليقات