بقلم: وجدي نيازالدين أكبر
خلال مسيرة حياتي شاهدت منزلين متجاورين بُنيا على طراز واحد، وكان صاحبا الدارين على مستوى متقارب من الثراء. وبعد مرور سنين طويلة، وجدت ساكني إحدى الدارين يرفلون في عيشٍ رغيد، تغمرهم السعادة والسرور، وتنقضي أيامهم بالفرح، وكأنها أعياد متواصلة. بينما كان ساكنو الدار الأخرى يقضون أوقاتهم في الآهات والحسرات والنحيب طوال العام، وكأنهم يعيشون في مأتم دائم.
وعلى ضوء هذه الفكرة نظمت رباعية تركمانية تصف هذا المشهد:
گولي طوپلاديم ده سته
أونودا ويرديم دوسته
ايو وار دايم كيفته دي
ايوده وار دائم ياسته
ومعناها باللغة العربية:
جمعتُ الورود في باقة،
وأهديتها إلى الحبيبة،
بيتٌ يرفل في السعادة،
وبيتٌ آخر في مأتم دائم.
وبعد بحثٍ دقيق حول الموضوع، اتضح لي أن البيت السعيد كان يُدار من قبل أبٍ ذي عقل نيّر، متفاهم مع أفراد أسرته، يحترم آراءهم، ويلبّي مطالبهم، ويقضي حوائجهم برحابة صدر وامتنان. أما البيت التعيس فكان يُدار من قبل أبٍ ذي عقل مظلم، مستبدٍّ برأيه، لا يترك لأبنائه مجالًا لطرح آرائهم، ولا يصغي إلى معاناتهم، ولا يلبي متطلباتهم، فاضطر أفراد الأسرة إلى التعايش مع تلك الحياة القاتمة.
وشتّان بين العقل النيّر والعقل المظلم. فحملة العقول النيّرة، بغضّ النظر عن انتماءاتهم الدينية والقومية، يتحلون بالذوق الرفيع في أداء مهامهم، سواء في وظائفهم أم في مهنهم، وهم على قدرٍ كبير من المسؤولية، وأصحاب ضمائر حيّة لا تهزّها العواصف الفاسدة. خطواتهم تكون سديدة وصائبة، ويسيرون وفق القانون في خدمة شعبهم ووطنهم.
وهؤلاء، فضلًا عن كفاءاتهم في أعمالهم، يحملون في دواخلهم مواهب متعددة، منها الأدب شعرًا ونثرًا، والفنون الجميلة من نحتٍ ورسمٍ وتمثيلٍ وموسيقى وغناء. فقد ترى طبيبًا موهوبًا في الشعر، أو مهندسًا مبدعًا في الموسيقى أو التمثيل.
ومن هؤلاء الأخ الأستاذ عبد الأمير مهدي قصاب، صديق العمر، وابن مدينتنا طوز خورماتو، المولود عام 1961م. وهو أستاذ جامعي وفنان موهوب في أداء المقام والغناء، وصاحب صوت رخيم. ومنذ صباه كان مولعًا بترنيم الأغاني.
وعندما كان تلميذًا في الصف الخامس الابتدائي عام 1972م في مدرسة آق صو الابتدائية، وهي من الأعوام التي مُنح فيها التركمان حق التعلم بلغتهم الأم، اختاره الأستاذ حلمي أحمد مهدي آق صو، معلم النشيد والموسيقى، لينشد لزملائه ويعلمهم أصول أداء الأناشيد.
وبقي ذلك النشيد محفوظًا في ذاكرة الأستاذ عبد الأمير إلى يومنا هذا، رغم مرور أكثر من خمسة عقود على أدائه. وقبل شهر فوجئت بفيديو منشور على صفحته في موقع فيسبوك، وعندما فتحته وجدته يؤدي ذلك النشيد الوطني بصوته الجميل، متغنيًا بحب الوطن والذود عنه بالغالي والنفيس.
راق لي النشيد كثيرًا، فسجلت كلماته فور سماعي له، ووددت أن تكون هذه القصيدة جزءًا من هذه الحلقة من سلسلة «حكاية الأيام». ولا شك أن القصيدة رائعة ورصينة، تهز سامعها من أعماق وجدانه، وقد سمعتها للمرة الأولى.
ولا يسعني إلا أن أدعو الله أن يرحم الأستاذ حلمي أحمد مهدي آق صو، المولود في عشرينيات القرن الماضي، والذي كان يعتز بوطنه وشعبه وقوميته التركمانية، وقد ترك أثرًا طيبًا في نفوسنا من خلال هذه القصيدة الرائعة في حب الوطن.
فلروحه السلام والذكر الطيب.
كلمات النشيد
مكتبلييغ آرخاداشلار بيردير بيزيم يوردوميز
يورومغدير چاليشماغدير وطنيچين بورجيميز
جان ويره ليم شآن آلآليم شو أوغوردا هپيميز
ياطاغيميز طاشتان أولسا يورغانيميز ياپراغدان
واز گيچمه ريغ بو طوپراغتان بوهيبتلي عراقتان
يورويه ليم آجداديميز بو يوللاردا يورودي
نيجه آصلان كميكله دي بو طوپراغدا چورودي
وطن عشقي غيري بيزيم سينه ميزي بورودي
معناه باللغة العربية
أيها الأصدقاء، نحن أبناء الوطن الواحد، والسعي والعمل من أجل الوطن واجب في أعناقنا. نفديه بأرواحنا لنرتقي به شأنًا، ونرضى أن يكون فراشنا من حجر، ولحافنا من أوراق الشجر، ولا نفرط بترابنا العزيز، ولا بعراقنا المهيب. نسير كما سار أجدادنا في هذا الطريق، طريق الأسود التي أفنت أعمارها دفاعًا عن أرضها، فحب الوطن يسري في صدورنا ويملأ قلوبنا اعتزازًا وانتماءً.
هذا ولكم تحياتي أحبتي الأعزاء.

0 تعليقات