عراق

الثور المجنح في الموصل.. رمز القوة والحكمة في الحضارة الآشورية




اعداد احمد السومري
يُعد الثور المجنح، المعروف في الحضارة الآشورية باسم "اللاماسو"، من أشهر الآثار التي ارتبطت بمدينة الموصل وتاريخ بلاد الرافدين القديم. وقد مثّل هذا الكائن الأسطوري أحد أبرز الرموز التي جسدت معتقدات الآشوريين وفنونهم المعمارية، إذ انتشرت تماثيله عند مداخل القصور الملكية والمدن الكبرى في نينوى، عاصمة الدولة الآشورية.
تعود أصول الثور المجنح إلى الحضارة الآشورية التي ازدهرت في شمال العراق خلال الألف الأول قبل الميلاد. وقد صُمم التمثال بهيئة تجمع بين رأس إنسان وجسد ثور وأجنحة نسر، في صورة ترمز إلى اجتماع الحكمة والقوة والقدرة على الحماية. وكان الآشوريون يعتقدون أن هذه الكائنات تحرس القصور والمعابد وتصد الأخطار عن المدن وسكانها.
عُثر على أشهر نماذج الثيران المجنحة في مدينة نينوى الأثرية الواقعة على الضفة الشرقية لنهر دجلة مقابل مدينة الموصل الحالية، ولا سيما في قصور الملوك الآشوريين مثل آشور ناصربال الثاني وسرجون الثاني وسنحاريب. وقد تميزت هذه التماثيل بضخامتها ودقة نحتها، حيث بلغ ارتفاع بعضها عدة أمتار، ونُقشت عليها كتابات مسمارية تسجل أحداثاً تاريخية وانتصارات ملكية.
في منتصف القرن التاسع عشر بدأت البعثات الأثرية الأوروبية أعمال التنقيب في مواقع نينوى وخورسباد ونمرود، فلفتت هذه التماثيل أنظار الباحثين والعالم بأسره، وانتقل عدد منها إلى متاحف عالمية، بينما بقيت نماذج أخرى في العراق شاهدة على عظمة الحضارة الآشورية.
تعرض هذا الإرث الحضاري لضرر بالغ خلال السنوات التي سيطر فيها تنظيم داعش الإرهابي على مدينة الموصل، إذ أقدم عام 2015 على تحطيم عدد من التماثيل واللقى الأثرية في متحف الموصل وبعض المواقع التاريخية، في محاولة لطمس الشواهد الحضارية التي تمثل هوية المنطقة وتاريخها. وقد أثار ذلك استنكاراً واسعاً من المؤسسات الثقافية والأثرية في العالم.
ورغم ما تعرض له من تخريب، ما زال الثور المجنح يحتفظ بمكانته بوصفه أحد أبرز رموز الحضارة الآشورية وبلاد الرافدين. فهو ليس مجرد عمل فني أو أثر تاريخي، بل شاهد على مرحلة مهمة من تاريخ الإنسانية، ودليل على ما بلغته الحضارات العراقية القديمة من تقدم في الفن والعمارة والفكر.
ويبقى الثور المجنح اليوم رمزاً خالداً للموصل وللإرث الحضاري العراقي، يروي للأجيال قصة حضارة عريقة تركت بصمتها في تاريخ العالم.

إرسال تعليق

0 تعليقات