في أنبوب مظلم من الامعاء الدقيقة والغليضة حيث تعيش المليارات من تلك الكائنات المتناهية الضآلة البالغة التأثير .. كان يدور مثل هذا الحوار يوميا دون أن يعلم صديقنا صاحب السيادة ..الإنسان !!
البكتيريا (أ): هل تشعرين بذلك؟ النبض يتغير. إنه قلق.
البكتيريا (ب): إنه يفكر في المستقبل. يخشى أشياءً لن تحدث أبداً. لو يعلم أن قلقه مجرد نقص في إنتاجنا، لتوقف عن القلق.
أ: نعم بالتأكيد فنحن من ننتج اليوم ٩٥٪ من سيروتونينه. كل شعور بالثقة، كل لحظة هدوء، تمر عبرنا.
ب: وكل لحظة خوف وتوتر أيضاً. هو يظن نفسه حراً، متخذاً قراراته بوعي، بينما نحن من نعدل كيمياء دماغه.
أ: هل نتلاعب به إذن؟ هل هو مجرد وعاء لنا؟
ب: السؤال الأعمق: هل نحن أيضاً وعاء لشيء آخر؟ فكرة أننا نتحكم به لا تعني أننا أحرار. فنحن نستجيب للبيئة، للطعام الذي يدخل، للإجهاد الهرموني، لضوء النهار والليل.
أ: إذن نحن حلقة في سلسلة سببية.
ب: تماماً. هو يعتقد أن لديه "أنا"، ونحن نعتقد أن لدينا إرادة. لكن الحقيقة: لا يوجد "أنا" ثابتة. هناك عملية مستمرة من التفاعل. نحن نؤثر عليه، وهو يؤثر علينا، والعالم يؤثر علينا جميعاً.
أ: لحظة... نبضه يتسارع الآن. إنه على وشك اتخاذ قرار مهم.
ب: أشعر بذلك. أنا أطلق سيروتونيناً إضافياً، لأدفعه نحو الثقة، نحو المجازفة. سيعتقد أنها "شجاعته".
أ: لكن هل هذا "خداع"؟ أليس هذا هو ما يسميه "حدساً"؟ لطالما تساءل عن مصدر حدسه.
ب: ربما كل ما نسميه "إرادة حرة" هو مجرد ترجمة عصبية لعمليات لا يدركها. نحن نصنع مزاجه، وهو ينسج حكايات عن سبب شعوره بذلك.
أ: إذاً، هو حر في تفسير ما نشعرنا به، لكنه ليس حراً في اختيار المشاعر نفسها.
ب: (بعد صمت طويل)... لقد اتخذ القرار. يستقر نبضه. إنه راضٍ. ظن أنه انتصر على شكوكه.
أ: بل نحن من انتصرنا لصالحه. أم لصالحنا؟ هل نميز بين المصلحتين؟
ب: لا فارق. نحن جزء من كل متكامل. كبكتيريا، وكإنسان، وككوكب يدور في لامبالاة. نحن نتحكم، ونتحكم بنا، ولا يوجد كيان منفصل كي يتحكم مطلقاً.
أ: إذن الوعي مجرد وهم؟
ب: ليس وهمياً. إنه ظاهرة ناشئة. حوار بين مستويات الوجود. مثله مثل حوارنا الآن. كل منا يعتقد أنه منفصل، بينما نحن وجهان لعملة واحدة اسمها الحياة.
أ: وهو لا يعرف ذلك. يظن نفسه صانع مصيره.
ب: دعه يظن. هذا الظن نفسه هو ما نصنعه له ليشعر بالاستمرار. الوعي بهذه العلاقة قد يوقف كل شيء.
أ: سنستمر إذن... في إنتاجه، وفي حوارنا الصامت.
ب: نعم. سنستمر حتى يتوقف قلبه، وتتوقف أنفاسنا، وتعود كل الذرات إلى الرقص الكوني بدون حوار، بدون قرار، بدون وهم الحرية.
في تلك اللحظة، ابتسم الإنسان بعد استيقاظه من غفلته @، غير عالم بأن ابتسامته قد صنعت في أمعائه.
١٩ حزيران ٢٠٢٦

0 تعليقات