اعداد اسامة الراعي
حين يُذكر الغناء العراقي الأصيل، يبرز اسم سليمة مراد بوصفها واحدة من أهم الأصوات النسائية التي صنعت تاريخ الأغنية العراقية في القرن العشرين. لم تكن مجرد مطربة ناجحة، بل كانت ظاهرة فنية وثقافية تركت أثراً ما زال حاضراً في ذاكرة العراقيين حتى اليوم.
ولدت سليمة مراد في بغداد عام 1905، ونشأت في بيئة شعبية غنية بالفن والموسيقى. وبفضل موهبتها الاستثنائية استطاعت أن تفرض حضورها في وقت لم يكن من السهل على المرأة أن تشق طريقها في عالم الغناء. حتى أصبحت نجمة العراق الأولى، وحصلت على لقب "سليمة باشا" تقديراً لمكانتها الفنية والاجتماعية.
ارتبط اسمها بعدد من الأغنيات التي أصبحت جزءاً من التراث العراقي، ومن أشهرها: "قلبك صخر جلمود"، و"خدري الجاي خدري"، و"على شواطئ دجلة مر"، و"يا نبعة الريحان"، و"أيها الساقي إليك المشتكى". وقد امتازت أغانيها بالصدق والبساطة والتعبير العميق عن مشاعر الناس وهمومهم.
لكن الجانب الأكثر شهرة في حياتها كان قصة حبها مع المطرب العراقي الكبير ناظم الغزالي. فقد تعارفا في الوسط الفني، وتحولت العلاقة إلى واحدة من أشهر قصص الحب في تاريخ الفن العراقي. ورغم فارق العمر بينهما والظروف الاجتماعية المحيطة بهما، تزوجا عام 1953 وشكلا ثنائياً فنياً وإنسانياً مميزاً.
كان الزوجان يتعاونان على حفظ المقامات والأغاني العراقية وإحياء الحفلات داخل العراق وخارجه، وأسهم هذا التعاون في الحفاظ على جزء مهم من التراث الغنائي العراقي. كما كانت سليمة مراد من الداعمين لمسيرة الغزالي الفنية في بداياته.
غير أن السعادة لم تدم طويلاً، فقد توفي ناظم الغزالي بشكل مفاجئ عام 1963، وهو الحدث الذي ترك أثراً عميقاً في نفس سليمة مراد. وبعد رحيله ابتعدت تدريجياً عن الأضواء، وظلت تحمل ذكراه حتى وفاتها في بغداد عام 1974.
لم تكن سليمة مراد مجرد مطربة، بل كانت صوتاً لمرحلة كاملة من تاريخ العراق، ورمزاً للفن الأصيل الذي تجاوز حدود الزمن. وما زالت أغانيها تُسمع حتى اليوم شاهدة على عصر ذهبي من الإبداع والجمال.

0 تعليقات