عراق

حكاية الأيام الحلقة السادسه عشر

  



   بقلم:_وجدي نيازالدين أكبر


من حقوق الولد على الوالد أن يحسن تسميته وهذا ما وصاه النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وسلم) لأن التسمية الحسنة تقوم سلوك الفرد وتجعل له شخصية ثابتة ومتزنه في المجتمع وأفضل الأسماء ما حمد وعبد ولا ننسى أن أية قاعدة لا تخلو من شواذ ، ثلاثة رجال من أبناء مدينتنا طوز خورماتو البطلة أسماؤهم من بين آلاف الأسماء التي تحمل أسم الرسول الأعظم(ص) وهم(محمد بن ترزي خضر_ محمد شعبان شقيق(معروف شعبان)_محمد بن رضا) ويذكر أنهم كانوا من شجعان مدينتنا مطلع القرن العشرين وأتناول في حكايتي هذه سيرة حياة الأخير (رضا محمد) الذي كان ينادى ب(رضا محمد) بالتسمية العثمانية وهو من مواليد1871م من أبوين تركمانيين تزوج من خمس نساء عاصر الحكومة العثمانية والملكية والجمهورية وتوفي في العقد السادس من القرن المنصرم يقول الأستاذ علي معروف أوغلو رحمه الله ان (محمد رضا) كان رجلا مقداما ورعا وعفيفا(يميز الحلال عن الحرام) لاشك الأنسان من هذا النمط لايحجب دعاؤه اذا دعا لأن الله تعالى قال في الحديث القدسي(عبدي أطعني تكن مثلي تقل لشيء كن فيكون) ولذلك كان (محمد رضا) من أولئك الأتقياء الذين يستجاب دعاؤهم بسرعة وعن ابنته صبرية زوجة خيرالله جايجي(جايجي خيراو)رحمه الله اذ تقول:_لقد رزق والدي ب(10)أولاد 8ذكور و2 أناث الباقون منهم أنا وشقيقتي شكرية  هي زوجة حميد دبيش من الزوجة الخامسة أما أخوتي الثمانية فكانوا من مجمل النساء الخمس فهم قد توفوا ولم يبلغوا الحلم اثر دعاء والدي عليهم لأله كلما كان يرزق بولد يدعو ربه قائلا ربي ان هذا ولدي بين يديك فاذا هو محسن فاحفظه لي واذا مسيء فخذه مني وهكذا توفوا جميعا وكان شقيقي الأخير أصطحبه والدي يوما ما الى المسجد وهو بعمر (10) سنوات وبعد اكمال صلاته رفع يداه الى السماء مناديا الهي هذا ولدي الأخير ان كان محسنا احفظه لى وان كان مسيئا فخذه مني نعم توفي أخي الأخير قبل أن تغيب شمس ذالك النهار وأخذ والدي يردد(لا حول ولا قوة الا بالله العلي لعظيم انا لله وانا اليه راجعون) ولم يهتز ايمانه لأنه كان ملما بقضاء الله وقدره ،عند نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914م سيق (محمد رضا) لأداء الخدمة العسكرية(الأحتياط) بمعية ابن مدينته الحاج (كاظم محمد) كلاهما تصاحبا مع(جرجيس أربيللي) في الثكنة(المعسكر) فصاروا اخواننا متكاتفين ولرب أخ لم تلده أمك ، أما الجبهة التي خدموا فيها فهي منطقة (الجزار) الواقعة على الحدود الروسية والكل يعلم أن مناخ روسيا بارد جدا حيث تتساقط فيها الثلوج طوال فصول السنة وكل هذا البرد القارص ماكان يثني من عزم (محمد رضا) التواق للشهادة اذ كان يبرز ويتقاتل مع القوات الروسية بشكل مكشوف من فوق الساتر لعل طلقة تصيبه وينال الشهادة الرفيعة لكن شاءت الطلقات أن تطيش ولاتحقق أمنيات (محمد رضا) ولاتستهدفه قط باذن الله تعالى رغم ضراوة المعركة ، (محمد رضا) كان يمتلك  الحدس(الفراسة) لما كان يتنبأ بأخبار لاتدركها الأوهام ولا الأبصار أنه قال:_في احدى الليالي كنت في واجب الحراسة واذا رجلي زلت وحينئذ نزعت قفاز أحد كفي وقلت ياألله لابد من خبر سيصلني ولما تصبحت سمعت نبأ أستشهاد أخي أحمد وجسده الطاهر مضرج بدمه مطروح على أرض الحرام هنالك لم يتسن لي الوصول اليه لأن ساحة القتال مملوءة من جثث الطرفين ومن حكمة الله تعالى كانت جثث المسلمين مستلقية على ظهورها وأما جثث الروس الكفرة فكانت مرمية على بطونها كأنهم نائمون نوم الشياطين وهذا دليل على أولياؤهم الشياطين يقول الأستاذ علي معروف أوغلو:حينئذ سألته ياعم(محمد) ما دمت قد نويت الأستشهاد فياترى كيف وقعت في الأسر؟ فأجاب: في صباح أحد الأيام كنت في مكان مرتفع من الجبهة وتحتنا جيش المسلمين فناداني أحدهم باللغة التركمانية وهوقصير القامة فأصغيت اليه واذا هو ابن خالي(منداو) وهو والد كل من(أحمد ، محمود ، حسين) وبمعية شقيقه ولي وكنت لم أرهما منذ شهور فاشتقت اليهما ولهذا انزلقت من المرتفع حتى صرت عند مناو فعانقته وكنت حامل ببندقيتين وقال(منداو) :(يامحمد) أراك تحمل بندقيتين فقلت احداهما عاطلة والأخرى صالحة فقال ناولني اياهما فقدمتهما له ومضت دقائق أتانا أحد جنود الروس فسلم (منداو) وأخيه (ولي) البندقيتين له عرفت عند ذلك أنهما أسيران في معسكر الروس وقلت:ماذا فعلت يامنداو؟ فأجابني أن الحرب وضعت أوزارها والطرفين أصابهما الملل...هل تريد أن تقاتل وحدك؟...أم تريد الأنتحار؟...هكذا وقعت في الأسر وبقينا في الأسر أكثر من(4)سنوات وفي أحد الأيام أتى ضابط روسي مفتول العضلات الى قفص الأسرى ونادانا :  أيها الأتراك هل فيكم أحد يبارزني؟ فرفعت يدي قائلا: أنا من يبارزك فنهاني زملائي وقلوا لي: أنت أسير وحالتك النفسية غير مستقرة وهو مصارع يبدو عليه أنه محترف بالمصارعة: فقلت لهم دعوني فباذن الله سأكون أنا الغالب ، فبدأ النزال بيننا وبعد 3 دقائق طرحته أرضا وسط تصفيق من الحاضرين وأخيرا قام الضابط الروسي وصافحني مهنأ لي بفوزي عليه ولما عدت الى جماعتي سألوني(يامحمد) كيف تمكنت من الفوز عليه؟ فقلت:لم أفعل ذلك وانما دعوت الله وأهل البيت(ع) فأمدوني بقوة لاتقهر،  من المواقف المشرفة ل(محمد رضا) حسب ما رواه الجاج كاظم رحمه الله عند عودتهم من الأسر أنه قال: كان من ضمن الأسرى رئيس عرفاء مسلم في يوم ما وقع خلاف بينه وبين صاحبنا (جرجيس أربيللي) فصفعه جرجيس وأشتكى رئيس العرفاء عند ضابط روسي مسؤول عن الأسرى فجاء الضابط ليحقق بالأمر سائلا: من صفع هذا الشخص؟...فقام (محمد) قائلا: أنا صفعته فقال المجني عليه ليس هذا الذي ضربني فأصر(محمد) على موقفة ولم يتراجع فزجره الضابط الروسي عندئذ غضب (محمد) وضرب الضابط بكفيه على وجهه مما زاد غضب الروس على (محمد) فأخذوه خارج القاعة وصلبوه وعذبوه أشد التعذيب لمدة لاتقل عن(4) ساعات يقول(محمد رضا) لما ربطوني بالحبل ذقت الموت بكل معانيه وكادت روحي أن تزهق...هناك دعوت الله وأهل البيت(ع) كي يدركون لحالي وما مضت الا بضع ثواني واذا يد أمتدت وأرخت الحبل وجعلتني أتنفس براحتي وعندما أطلقوا سراحي تعجب الروس على قدرتي في تحمل الأذى، عاش (محمد رضا) بعد عودته من الأسر بكل عافيته (40)عاما حتى وافاه الأجل المحتوم في ستينيات القرن الماضي وهو يمتهن مزارعا يكسب قوته بعرق جبينه حتى آخر يوم من حياته هذا واكم مني أعطر التحيات .
ملاحظة:_الحاج كاظم وهو أب لكل من(موسى_مصطفى_غني_رضا دوري) وهو جد للأخوة(مصطفى محمود_مفيد غني(فنان)_نشأت رضا دوري) .

إرسال تعليق

0 تعليقات