"محمد صادق"
حاورته : اطياف عادل
في وقت اصبحت التفاهة تضج من حولنا وطلبة العلم والساعين للثقافة تقل اعدادهم .. محمد طالب كلية الصيدلة المهتم بعلم الفلك والفيزياء الذي سعى لتثقيف نفسه مع قلة الدعم الحكومي والمجتمعي لهكذا مجالات ليس لقلة اهميتها بل لجهل المجتمع اهميتها .
1 / لِمَ بدأ أهتمامك بعلم الفلك ؟
- منذ صغري و قد كانت اهتماماتي مختلفة قليلاً فحتى طفولتي كانت غير عادية بتاتاً.
في أيام مراهقتي بدأت في البحث عن نفسي و أي مجال اطرقه لا أشعر بأنني انتمي إليه إلى أن بدأت في مطالعة الكتب و المقالات الفيزيائية و الشكر هنا يعود إلى السخرية (البسيطة) التي تعرضت لها من قبل مدرسة مادة الفيزياء عندما أخطأت في إجابة إحدى الأسئلة و بشكل غبي كنت متمسكاً بإجابتي و عندما عدت إلى البيت بدأت ابحث عن الموضوع على الإنترنت لكن المفاجأة قد انجذبت فجأة من ذلك العالم و عشقته كثيراً لإنه كنت فضولياً جداً وما زلت، حصلت على أجوبة كثيرة و أصبحت عندي عادة أن ادرس الموضوع قبل أن نصل الى المدرسة اصلاً و في الدرس اشرحهه بالكامل و خارج إطار المنهج كذلك أجدد الشكر لنفس المدرّسة التي كانت تعطيني الفرصة لذلك.
في الواقع كنت مهتم بالفيزياء بشكل عام و أكثر تخصص فيها جذبني هو علم الفلك و الفيزياء النووية فهو المكان الذي وجدت نفسي فيه وأشعر بقيمتها .
2 / لِمَ لم تتوجه لدراسة هذا المجال وأخترت الصيدلة ؟
- من المؤلم أن أقول أن السؤال كان سيكون مختلفاً لو لم أكن أسكن في العراق فعلى الغالب كان سيكون " كيف تشعر وانت قد توجهت لدراسة هذا المجال؟".
كان خياراً صعب جداً فقد قضيت قرابة الأربعة أشهر افكر في الموضوع لكن المشكلة التي واجهتني هو عدم الإهتمام بهذا المجال في العراق و الظروف التي اعيشها لا تسمح لي بمغادرة البلد على الرغم من المحاولات لذلك مع اضطررت أن ادرس الصيدلة و هي المجال الثاني الذي اهواه بعد الفيزياء ولكني لن أتوقف قطعاً و ما زلت و سأبقى ادرس الفلك و الفيزياء على عادتي.
3 / كثير من الأبحاث الحديثة التي تختص بهذا المجال غير مترجمة لـ اللغة العربية برأيك لِمَ ؟
- للأسف الشديد هذا شائع في كافة العلوم و ليس فقط في علم الفلك و السبب يعود لقلة إهتمام الناشئة و الدول العربية لهذه المجالات فالدولة المستهلكة لا تهتم للعلوم اصلاً و لا للتعليم و هو أساس و سبب كونها مستهلكة فقط!
ولذلك أخذت على عاتق نفسي وكذلك بعض من الشباب الآخرين أن نقوم بنقل هذه الأبحاث إلى المهتمين العرب قدر ما نستطيع من خلال الترجمة و التلخيص فكذلك لسنا بمختصين و لكن الحرمان أقل منه.
4 / الكثير من الفئة الشابة لاتوجه أهتمامتها لأمور علميه لِمَا؟
- السبب يعود إلى ثقافة المجتمع التي هي في الحضيض و هذا واقعنا المؤلم و البائس و ما الجهل المدقع المنتشر بين الناس إلا كونه سبباً رئيسياً في عدم اهتمام الشباب بما هو مفيد لهم و يطور من شخصيتهم و عقولهم و لذلك فنحن سنبقى في هذه الدوامة ما لم نغير من واقعنا المرير و أهم خطوة في سبيل ذلك هي القضاء على الجهل و الثقافات الدخيلة السيئة.
5 / ماذا تعرف عن علاقة علم الفلك بعلم الجفر المنسوب للإمام علي عليه السلام ؟
- قد اطلعت سابقاً على ما تبقى من علم الجفر و هو علم منصوص لا مدروس أي قد تم تنزيله من الله تعالى و لم يكتشف او يدرس لذلك لا يرتبط بما لدينا من علوم لأن العلم ما زال غير كامل و ما ظهرت نظرية علمية إلا و دحضت اُخر او أضفت عليها شيئاً مهماً لذلك لا يكن الربط بينهما فذاك علم إلهي و هذا علم بشري.
6 / كيف تصف إنجازات العرب بهذا المجال ؟
- لا شك أن نقول إن العرب القدماء هم من ساهموا في وضع أسس علم الفلك جنباً إلى جنب مع بقية العلماء و لديهم من الانجازات فيها ما لا يمكن عده كالبتاني او المعروف ب"بطليموس العرب" و ابو ریحان البیرونی و الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) و غيرهم الكثير لكن هذه الشجرة لم تستمر و نعيش في هذا العصر نقص شديد في العلماء العرب في كافة المجالات فضلاً عن الفلك و أصبح جلّ اعتمادنا على علماء الغرب و الشرق و حتى والسبب في ذلك عوامل كثيرة منها عدم احتضان هذه الإمكانيات و تنميتها فالعالم الذي يبحث عن العلم غالباً ما يهاجر البلاد العربية لأنه لا يجد أي مقومات له هنا كالعالم اللبناني مصطفى شاهين و المصري فاروق الباز و غيرهم . ولكن لا ننسى الجهود التي تبذل من قبل العرب و علمائها هذه الأيام فهناك توجه و اهتمام من بعض الدول العربية و نذكر بالخصوص الإمارات العربية نحو احتضان هذه العقول و استثمارها. فبعد إنجازها في إيصال مسبار "الأمل" إلى مدار المريخ نستبشر خيراً أن نرى في المستقبل القريب عودة العرب إلى السباق الدولي في التطور العلمي.
7 /لو أعطي علم الفلك أهمية ودعم حكومي ومجتمعي ماذا سيغير هذا الأمر ؟
- ذكرت سابقاً إن الدول المستهلكة لا تعطي أي إهتمام بالعلوم و هو الذي يقبعها في دوامة الإستهلاك فقط. فلو إتجهت نحو الإنتاج فوسيلتها هو العلم و كذا الدول الكبرى تبدي اهتماماً للعلوم جميعاً و علم الفلك لإنها تعي كونه وسيلة تقدمها و إنتاجها.
لو جئنا إلى واقع علم الفلك لماذا هذا السباق العالمي من أجل الاكتشاف اولاً؟ سنجد أن الهدف اقتصادي أكثر مما هو لأغراض أخرى فالدول تتسابق من سيصل إلى الموارد الجديدة و إلى من سيهيمن على الأراضي الغنية بالمعادن و العناصر الثمينة. فهذه الموارد إذما قامت دولة قبل الأخرى بإكتشافها و الحصول عليها قد تكتسح بقية العالم اقتصادياً و تهيمن عليه. و من الطريف أن أذكر جميعنا يعلم كم هو سعر الألماس مرتفع للغاية لكنك لو ذهبت إلى كوكب نبتون ستجد إن باطن الكوكب يمطر الماساً! و كذا الحال مع العناصر النادرة جداً فهي متوفرة بكثرة في أسطح غير الأرض و هنالك اصلاً عناصر لم تكتشف بعد فمن يدري ماذا ستكون قيمتها و فائدتها.
كنت قد قمت بكتابة مقال قصير في عام 2019 عن (موارد الأرض المتضائلة) حيث ذكرت إننا نستهلك أكثر من ما لا يمكن للأرض إنتاجه فلو بقينا على نفس نسبة الاستهلاك من الموارد حتى حلول عام 2050 فعندها لن يستطيع الكوكب أن يوفر احتياجاتنا و ما يتبعه من كوارث بيئية . فمن هذا نتيقن إننا بحاجة إلى العثور على بدائل بإسرع وقت ممكن إذا لم نحل مشكلتنا وهو ما تحاول الدول فعله من خلال التنقيب خارج الأرض.
فنحن بحاجة إلى الدعم الحكومي و المجتمعي لخوض هذا السباق و إلا سنذوق الأسوأ من ما نحن عليه الآن .
و من جانب آخر فمع التطور الهائل للعالم في التسليح و إن لم تحل مشكلة أسلحة الدمار الشامل في أسرع وقت قد نجد أن نهاية الأرض قد حلت ففي إحدى التقديرات التي أشارت إن 0.5% من ما هو موجود حالياً من الأسلحة النووية كافٍ للقضاء على كوكبنا بالكامل. هذا غير المشاكل البيئية الأخرى كالأحتباس الحراري و... الخ
فنحن بحاجة إلى موطن آخر حتى وإن لم نهاجر اليه الآن فيجب علينا أن نحصل على ملجأ على الأقل نذهب إليه عندما تتقطع بنا السبل بدل أن نتقبل فكرة الفتاء. " فالبشرية قد بدأت على كوكب الأرض و لكن لم يقل أحد انها ستنتهي هناك ".
و أسباباً اُخر كثيراً لا يسعنا ذكرها كلها مهما اطلنا الحديث.
8 / ماهو الدرس الأخلاقي المستنبط من علم الفلك ؟
- إن أكثر درس أخلاقي نأخذه من علم الفلك هو التواضع وهو ما يجمع عليه علماء الفلك فكما وصفه الكاتب آرثر كلارك في بضع كلمات " بمقدور علم الفلك أن يعلم البشر التواضع كما لا يمكن لأي شئ آخر أن يفعل ".
فنحن إذما إنغمسنا بين المجرات و النجوم سنجد أنفسنا ضئيلين جداً مقابل هذا الكون الشاسع جداً !
و من اقتباس لعالم الفلك " كارل ساغان " في كتابه (نقطة زرقاء باهتة) عام 1990 يسطر فيه أجمل الكلمات في وصف الصورة التي التقطها مسبار ( فوياجر 1) لكوكب الأرض من على بعد 6 مليار كم أثناء مغادرته المجموعة الشمسية حيث ظهرت الأرض فيها كنقطة زرقاء باهتة لا قيمة لها فقال :
" إن علم الفلك يعلمنا التواضع، ولعله لا يوجد رد على حماقات التكبر و الغطرسة لدى البشر أفضل من هذه الصورة. فهل يعي كل متكبر و كل ظالم و كل محتقر لغيره حقيقة إن الأرض مجرد نقطة باهتة؟ وأن البشر بصناعتهم و فكرهم و مشاكلهم و حروبهم و قتلهم لبعضهم البعض لا يمثلون شيئاً في هذا الكون الهائل .
لن نخطوا خطوات النجاح والتطور ان لم نعطي اهتمام لكل المجالات العلمية والادبية لتاخذ دورها في الحياة فاليوم نحن امام مشكلتين انعدام الدعم الحكومي لهكذا مجالات وجهل المجتمع باهميتها . متمنية ان يجد الشباب الداعم لمواهبهم واحلامهم فالنفط ثروة لها مدة وتنتهي وانجازات العقول الشبابية المثقفة هي جذور لمجتمع ناجح .
0 تعليقات