عراق

تَنْتَهِي الْمَهَمَّةُ، وَيَبْقَى الْإِنْسَانُ





بقلم الباحث ازاد كورجي 


الامتحان الحقيقي للسياسي يبدأ بعد مغادرته المنصب.

في الأصل، يجب أن يمنح الشعب المسؤولية، وأن يكون هو أيضاً صاحب الحق في سحبها عند الضرورة. فالمعيار الأساسي في السياسة يجب أن يكون الأعمال المنجزة، والخدمات المقدّمة، والنتائج المحققة، لا العلاقات الشخصية أو المصالح الخاصة. وعندما لا تُقيَّم المسؤوليات وفق هذا المبدأ، يصبح من الصعب قياس النجاح والفشل بصورة حقيقية.

إن الامتحان الحقيقي للسياسي لا يُقاس فقط بالفترة التي يقضيها في المنصب، بل أيضاً بكيفية أدائه لمهمته، والنتائج التي يحققها، والطريقة التي يعيش بها بعد مغادرته المنصب.

هل يستطيع السياسي، بعد انتهاء مهمته، أن يدخل بين الناس بكل راحة؟ وهل يستطيع النظر في عيونهم دون خجل، والتحدث معهم دون تردد، والاستماع إلى انتقاداتهم؟

إن هذه الأمور تكشف الكثير عن ماضي السياسي وطبيعة علاقته بالشعب؛ لأن المنصب ليس وسيلة للتعالي على الناس، بل مسؤولية مؤقتة تُمنح لخدمتهم.

إن السياسي الذي يخاف من الشعب، أو يتهرّب منه، أو يتردد في الوقوف أمام الناس، عليه أن يراجع نفسه أولاً وأن يواجه ماضيه. فكل عمل قام به، وكل قرار اتخذه، وكل صلاحية استخدمها خلال فترة مسؤوليته، هي أمانة يتحمّل مسؤوليتها. ولا أحد يُعفى من المساءلة لمجرد أنه يشغل منصباً.

في السياسة الصحيحة والنزيهة، المنصب مؤقت، أما الأخلاق والإنسانية والسمعة الطيبة فتبقى. والسياسي الحقيقي هو الذي يكون بين الناس أثناء توليه المسؤولية، ويواصل حياته الطبيعية بينهم بعد مغادرة المنصب، دون أن ينقطع عنهم.

لأن القيمة الحقيقية للسياسي لا تُقاس فقط بالاحترام الذي يحظى به أثناء وجوده في المنصب، بل تُقاس أيضاً بعلاقته بالشعب بعد مغادرته له. فعندما تنتهي سلطة المنصب، لا يبقى إلا أخلاق الإنسان، وأعماله، والأثر الذي تركه في المجتمع.

لذلك، يجب أن يكون مقياسنا الأساسي هو:

المنصب مؤقت، والشعب باقٍ.

تنتهي المهمة، ويبقى الإنسان.

تنتهي السياسة، وتبقى الأعمال والآثار التي يتركها الإنسان.

لا يوجد منصب يجعل الإنسان أعلى من شعبه. فمكان السياسي ليس فوق الشعب، بل إلى جانب الشعب. إن العيش بين الناس لا الهروب منهم، وقبول النقد لا الخوف منه، والاستعداد للمساءلة عند الضرورة، هي من الأسس الجوهرية للسياسة الحقيقية.

لنتذكّر دائماً: النجاح الحقيقي ليس في الظهور بمظهر القوي أثناء تولّي المنصب، بل في القدرة على الوقوف أمام الشعب بعد مغادرته، مرفوع الرأس، مرتاح الضمير، نقيّ السيرة.


إرسال تعليق

0 تعليقات