عراق

المثقف كائن حواري بين الاختلاف والتسامح




بقلم: الدكتور الصحافي عبد القادر بشير بابان
كركوك / 30 أيلول 2026

ليس المثقف من حفظ مئات الأبيات من الشعر؛ ذاك موهوب تميّز بالذاكرة والحس الجمالي. وليس المثقف من نال شهادة الدكتوراه؛ ذاك مختص أتقن فرعا من فروع العلم. وليس العالم بالضرورة مثقفا؛ فقد يكون عبقريا في مختبره أو نظرياته، لكن ثقافته تظل محدودة بحدود تخصصه الضيق.

المثقف الحقيقي أعمق بكثير من امتلاك بنك من المعلومات، وأكبر من المال والجاه والشهادات العالية. الشهادة قد تمنحك وظيفة، والمال قد يمنحك نفوذًا، لكن لا شيء منهما يمنحك وعيًا.

المثقف الصحيح هو الواعي بامتياز؛ واعٍ للاختلاف حتى وإن رفضه، يفهم الناس قبل أن يحكم عليهم، لا يتعجل الإدانة، ويتأمل الدوافع والظروف والخلفيات؛ لأن الوعي عنده مقدَّم على الحكم، والفهم عنده شرط للعدل. قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 79].

المثقف واعٍ من خلال تقليص السلبيات لا بتضخيمها؛ لا يعيش على الشكوى وجلد الذات، ولا يستمتع بنشر الإحباط، بل يبحث عن الحلول الممكنة في قلب المستحيل. لذلك تجده دائمًا متفائلًا. روح المستقيم هي روح المثقف؛ مستقيم في فكره، متزن في مواقفه، لا تميل به العواطف، ولا تشتريه المصالح، ولا تخيفه الأصوات العالية.

الثقافة ليست تكديسًا للمعرفة، بل طريقة في النظر إلى الحياة. المثقف يرى الإنسان قبل الفكرة، والقيمة قبل المعلومة، والمعنى قبل التفاصيل. يعرف أن الاختلاف سنة كونية، وأن التعصب جهل متنكر في ثوب اليقين، وأن الحوار أرقى من الصراخ.

كم من حامل شهادات عليا ضيق الأفق، وكم من بسيط التعليم واسع الوعي؟ الثقافة سلوك قبل أن تكون شهادة، وأخلاق قبل أن تكون محفوظات، وموقف قبل أن تكون لقبًا.

نحن اليوم أحوج ما نكون إلى هذا المثقف: الواعي، المتزن، والمتفائل؛ الذي يبني ولا يهدم، ويفهم قبل أن يحكم، ويصلح قبل أن يدين. الأمم لا تنهض بكثرة المتعلمين، بل بوعي مثقفيها وصدقهم واستقامتهم.

المثقف الحقيقي لا يبيع ضميره من أجل منصب، ولا يبدل مبادئه من أجل شهرة؛ يظل بوصلة مجتمعه في زمن التيه. إنه ضمير الأمة الحي، وصوت العقل الهادئ وسط ضجيج الجهل.

للحديث بقية قيّمة.

إرسال تعليق

0 تعليقات