حكاية الأيام (53)
بقلم: وجدي نيازالدين أكبر
كلنا نشتاق إلى ماضينا، وسرّ اشتياقنا يكمن فيما تختزنه ذاكرتنا من ذكريات جميلة خلّدتها الأيام الحلوة، تلك الأيام التي كانت ربيع أعمارنا، وقضيناها بالودّ والعِشرة الطيبة، وبنيّات صادقة صافية من الشوائب.
سواء أكانت تلك الذكريات داخل أسرنا، بين إخواننا وأخواتنا وفي كنف والدينا، أم مع الأسر التي كانت تجاور منازلها منزلنا، فقد عشنا معهم بالطيب والإحسان، وكأننا بيت واحد وعائلة واحدة. وكذلك مع زملائنا في المحلة أو المدرسة، إذ مضت أيامنا بالاحترام المتبادل، وكأننا إخوة، وصدق القول: «رُبَّ أخٍ لك لم تلده أمك»، وهو ما يُنسب إلى الإمام علي (عليه السلام).
وثمة أناس عاشرناهم في السوق بحكم العمل من أجل لقمة العيش، وكانت محالّهم تجاور محل والدي أو تقابله، داخل سوق الحدادين في مدينتنا طوز الأصيلة. لقد عاملونا باللين والمحبة، وليس بمقدورنا أن نستعيد أولئك الذين مضوا إلى سبيلهم، سوى أن نسرد شذرات عمّا تركوه من آثار نيّرة في قلوبنا.
ومن هؤلاء النجار الأسطة كاظم قنبر إماملي، الذي كان رجلًا ظريفًا، وكان محله مقابل محلنا مدة تزيد على ثلاثة عقود ونيّف.
وُلد الأسطة كاظم سنة 1901م، وتزوج امرأتين، إحداهما بعد الأخرى، ورُزق منهما بولدين هما الأسطة زين العابدين والتربوي محمد، وتسع بنات، ستّ منهن تربويات.
وقد أوصل أبناءه جميعًا إلى غاياتهم بفطنته وبصيرته وجهده الجهيد في النجارة، إذ كان يعمل يوميًا منذ طلوع الفجر حتى مغيب الشمس، دون أن يصيبه كلل أو ملل.
كان رجلًا عصاميًا اعتمد على ذراعيه في مهنته، وعلى فأسه ومطرقته وأدواته اليدوية المتواضعة والبسيطة، دون استعمال الأدوات الكهربائية، بل لم يؤسس نقطة كهرباء في محله حتى آخر يوم من حياته المهنية.
وكان يبصر بعينه اليمنى فقط، أما عينه اليسرى فلم ترَ النور بسبب إصابتها بالعمى جراء مرض الجدري في حداثته. ومع ذلك، كانت مهنته تدرّ عليه إيرادات كثيرة تفوق راتب الموظف آنذاك.
لم يكن الأسطة كاظم يبخل في مصروفاته اليومية على أهله، فكان يشتري بواكير الفواكه وحاجيات البيت، وكانت جميع مقتنياته من الطراز الأول.
وكان يستاء حين يرى أحد المارة أو معارفه يشتري حاجيات رديئة، فيومئ إليه قائلًا بالتركمانية:
«ألينده طاس آباري أيوينه ياس آباري»
ومفاده: «الذي يشتري الرديء لرخص ثمنه، يُبكي أهله».
كان الأسطة كاظم يتحلى بنفس زكية، ويتعامل بشفافية مع الآخرين في البيع والشراء، رغم أنه كان رجلًا أميًا لا يجيد القراءة والكتابة.
وكان يحظى باحترام جلسائه من أبناء جيله وأصحاب المهن وأصدقاء عمره، ومنهم: قاضي شفيق، وقاضي توفيق، وزين العابدين كوزه جي، ومحمد سليمان (جوجوح)، وكجل عسكر، وزين العابدين بندر، ومردان دمرجي، ومحمد ليلاني.
وكان موقع محله في آخر صف محال رفاقه من النجارين، ولا شك أن المحل الأخير يكون أقل إيرادًا من المحال التي تتصدر السوق، ولذلك كان يقول من طرائف كلامه:
«أوكومده كولار ايلاندولار مه ن قولباقا كيمين يريمده أل آياغ جاللام»
ومفاده: «الذين يسبقونني هم كالأفاعي يلتهمون الفريسة، وأنا كالضفدعة أقفز في مكاني».
وحينما كان يرى أحد أصدقائه مريضًا، وليس على ما يرام، كان ينشده:
«آزوي قالوب ان شاء الله بلاوي يه ريغ»
ومفاده: «أراك متدنيًا إلى الموت، سنأكل التمن (الرز) في خيراتك إن شاء الله».
وكان هذا القول من الأسطة كاظم أكثر رواجًا بين الناس في ستينيات القرن الماضي، لأن طعام التمن (الرز) آنذاك كان مكلفًا، وليس بمقدور العوائل تناوله إلا في مناسبات الأفراح والأتراح.
وكان الأسطة كاظم يتفنن في كلامه، ويصوغه بأسلوب يجعل المتلقي في حيرة وإيهام.
يروي أحد الإخوة قائلًا:
ذات يوم رأيت الأسطة كاظم في الصباح الباكر مذهولًا ومتّكئًا على فأسه، فقلت له: «أسطة كاظم، ما دهاك وما أحزنك؟».
فأجاب: «كيف لا أغتم إذا سمعت الراديو يقول: (بغدادتاه جايوه صويا قاتو للار)».
ومفاده: «أهالي بغداد أخذوا ما يملكون من السكر والشاي، وأخذوا يرمونهما في الماء! أليس هذا مما يحير العقل؟».
فاندهش أحد الجالسين عنده وقال: «هذا من صدكك؟ هضيمة! هذه الحالة ستخلق لنا أزمة شاي وسكر في مدينتنا طوز، وعلينا أن نشتري منهما بكثرة لئلا نعوز!».
والحال أن إعداد الشاي يتطلب وضع الشاي والسكر في الماء!
ومن نوادر كلامه أيضًا أنه حينما كان يسأله سائل عن عمره، يوهمه بأنه أقل سنًا منه، مجيبًا بالتركمانية:
«مه ن أوتوراندام سه ن يريردوي»
ومفاده: «أنت كنت تمشي في الوقت الذي كنت أجلس فيه».
وكان يقصد حال الطفل في بداية عمره، إذ يجلس أولًا ثم يبدأ بالمشي.
وكان الأسطة كاظم يداعب أصحابه بكلمات رقيقة، فيقول لهم:
«أنتم لستم بمستواي، وأنا من تواضعي أجلس معكم. أنا من تتمنى المعلمات الزواج منه، وأنا محترم ومقدّر بين الناس أكثر منكم، وأنتم لا تدرون! يا ليتكم ترونني عند وصولي إلى كركوك!».
ثم يقول بالتركمانية:
«عالم أوكمجه آرخامجا يرير بعضيده أوتوموبيلي دورودوللار أناللار»
ومفاده: «الناس يمشون من ورائي ومن أمامي، وكثير من الناس يوقفون سياراتهم وينزلون إجلالًا وإكرامًا لي!».
والحال أن أي إنسان عند وصوله إلى أي مدينة يرى الناس يمشون أمامه وخلفه، ويرى السيارات تتوقف والناس ينزلون منها.
وأحيانًا كانوا يسألونه عن مدى احترام نسائه له، فيقول:
«عندما أطلب منهن حاجة، سرعان ما يلتصقن بالنعال!».
ويقول بالتركمانية:
«سه له شه بيلمه م بير شي ايستوياندام همه ن نعيله يابوشاللار»
والحال أن المرأة عندما تريد تلبية حاجة، تمسك نعليها وتلبسهما.
وكانت مبيعات الأسطة كاظم بأسعار مناسبة، وذلك من أخلاقه الرفيعة، وكان يردد:
«باها آللام أجوز صاتارام أوندادا بير كيويل يابارام»
ومفاده: «أنا أشتري أشياء باهظة الثمن، فأبيعها برخص لأبني قلوب أحبتي».
وكان المرحوم يتباهى بكل فخر واعتزاز بأنه ينحدر من قرية الإمام زين العابدين (عليه السلام)، قائلًا:
«مه ن بير يرده نه م كور كوز كيده ر اششيغلي دونه ر»
في إشارة إلى ما كان يرويه عن كرامة الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وأن عيون العميان تنفتح بفضل الله وبركته في أول رجب من كل عام.
ولا شك أن هذا الكلام كان يلفت أنظار سامعيه، وهو أدرى بذلك، فيقولون له:
«يا دايي كاظم، عجبًا! إمامك لم يشفِ عينك التي لا تبصر بها ويُرجعك بصيرًا؟».
وكان المرحوم يشكو من زمانه، ومن الحرب العالمية الأولى التي أجبرته مع أخويه كوثر وساقي على النزوح إلى مدينة طوز خورماتو، وأرغمتهم على معاشرة الناس الذين لا بدّ من صداقتهم، فيقول:
«سفر برلكون أوغلو قيزي اولسون مه ني محمد ليلانويه باب أيدتوه»
ولما يأتي محمد ليلاني ليصده، يقول له: «يا محمد، ضمّ وشمات يداك، إنهن ليس من فعل الرجال».
وكان الأسطة كاظم يؤمن بالروحانية، ويوقد شمعة في ليالي الجمع وليالي الأعياد تبركًا بتلك الليالي المقدسة.
وكان قنوعًا بقسمته ورزقه، يأتي إلى محله بوجه طليق، حليق الذقن، ولا يفارق التفاؤل محياه الكريم.
وفضلًا عن مهنته في النجارة، كان الأسطة كاظم يصنع أحجار شواهد القبور بسعر رمزي، ابتغاء الثواب لأهله.
وكانت الأحجار تأتيه من الحجارين الذين يعملون في جبال طوز، أمثال المرحوم محمد خورشيد جاووش، دون ثمن وفي سبيل الله.
وكان الأسطة كاظم يشطر الحجر من منتصفه، ويجعله قطعتين بمنشار يدوي، يعاونه شخص آخر في عملية النشر التي تستغرق يومًا واحدًا.
وبعد ذلك، كان يخطط أسطر كل قطعة بقلم رصاص، ثم يأتي الخطاط ليكتب اسم المتوفى عليها، ويقوم الأسطة كاظم بحفرها وتخريمها بأدواته الخاصة.
وفي أكثر الأحيان، كان يجهز القطعة، ويباشر والدي المرحوم نيازالدين أكبر بكتابتها، لكونه صاحب خط جميل.
وبالمناسبة، أذكر حادثة مؤلمة حدثت في مدينتنا طوز خورماتو في أحد أيام شهر حزيران من عام 1973م، إذ توفي شاب في العشرينيات من عمره، يُدعى إحسان حسين عمشة، شقيق السائق غازي عمشة، إثر سقوطه من سطح منزل أخته في ليلة ظلماء بمدينة كركوك.
وقد أثارت وفاته ضجة بين أوساط مجتمعنا التركماني في طوز خورماتو، لأن الناس آنذاك كانوا يعيشون في هدوء واحترام متبادل، بعيدين كل البعد عن الغلظة والعنف.
وأثّرت تلك المصيبة بالدرجة الأولى في نفسية والد الفقيد، حسين عمشة، الذي لم يهدأ له بال بعد فقد فلذة كبده.
ولم تمضِ ثلاثة أشهر على الحادث، حتى جاء في إحدى الأمسيات برفقة الشاعر حسن كوره م، وصارا في ضيافة والدي نيازالدين أكبر في محله.
وبعد أن رحّب بهما والدي، تكلم الأب الثاكل قائلًا:
«هذا معي الشاعر الملهم حسن كوره م، ليلقي قصيدة في رثاء ولدي، فعليك أن تكتبها على قطعة حجر، ليحفرها الأسطة كاظم، ونأخذها إلى قبر ولدي في مقبرة وادي السلام».
فكتبها والدي على ورقة، وكنت حاضرًا معه أثناء الكتابة.
وكانت الدنيا في أيام الشتاء، وأغلب ظني أن ذلك كان في الشهر الأخير من عام 1973م.
وقد حفظت القصيدة فور كتابتها، وكانت كالآتي:
وفاسوز فاني دنيادان صفا كور مه ده ن كيدتم
حياتون باغينه كلديم فقط كول درمه ده ن كيدتيم
أميديم قلبيمده قالدي مرادا ايرمه ده ن كيدتيم
ياعلي نه صوج نه كناهيم واريسه عفو أيله مني
بيلورسون كنجيديم يارب كي خوش كون كورمه ده ن كيدتيم
ومن الخصال الحميدة التي اتصف بها الأسطة كاظم أنه كان مواليًا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وكان يتذكر الموت كل يوم، ويتمنى أن يُدفن في مقبرة وادي السلام في النجف الأشرف.
وكان يوصي والدي قائلًا:
«عند وفاتي، تأخذ جنازتي وتوصلها إلى النجف الأشرف، وعسى ما ترمي جثتي في صحراء النجف، حتى إذا لم أُدفن! وكذلك محمد ليلاني يقرأ عليّ القرآن عند وفاتي وفي فاتحتي».
وبقيت الوصية في ذاكرة والدي حتى وافى الأسطة كاظم الأجل المحتوم يوم 20/7/1994م.
وقد لبّى والدي وصيته بكل اعتزاز، فأوصله بصحبة أولاده وأبناء عشيرته إلى مثواه الأخير في مقبرة وادي السلام.
ألف رحمة على روحه الطيبة.
والجدير بالذكر أن الأسطة كاظم مارس مهنته حتى مطلع سنة 1994م، عن عمر ناهز ثلاثة وتسعين عامًا، وقبل وفاته بعدة أشهر منعه أولاده من مزاولة مهنته بسبب إصابته بضعف الذاكرة.
ولكم مني أطيب التحيات.

0 تعليقات