بقلم : نوران أرسلان
ونحن نعبر أيامنا، لا نمضي بوجهٍ واحد.
نلتقي في الطريق بالمحبة والخذلان، بالنجاح والفشل بالاحتواء والجفاء، وبوجوه تحمل لنا السلام وأخرى تنتظر منا زلّة، وثالثة لا نعرف ما تخفيه لنا. وبين كل هذه المتناقضات نتعلم، شيئاً فشيئاً
أن نصنع لأنفسنا أقنعة تناسب ما نمر به.
لكن هل كل الأقنعة كذب؟ وهل كل من أخفى وجهاً من وجوهه كان منافقاً؟
علينا أن نفرّق بين نوعين من الأقنعة فهناك قناع ظاهره الود وباطنه الخبث، يلبسه صاحبه ليخدع الآخرين أو يتقرب منهم طلبا لمصلحة، ويخلعه حين تنتهي حاجته إليهم. وهذا قناع الزيف والنفاق.
وقناعاً آخر مختلفاً أسميه القناع النفسي.
ذلك الذي لا نرتديه لنخدع أحداً، وإنما لنحمي شيئاً في داخلنا، أو لندافع عن أنفسنا، أو لنستطيع مواصلة الحياة حين لا تسمح لنا الظروف بأن نتوقف طويلاً أمام أوجاعنا.
فنحن بشر متقلبون بطبيعتنا، ننتقل بين القوة والضعف، والفرح والحزن، والتعب والراحة، والثقة والخوف. وما يسعدنا اليوم ربما لا يحمل المعنى نفسه بعد أشهر، وما كان يكسرنا بالأمس قد نمر أمامه غداً بهدوء. نحن نتلون نفسياً كما تتلون الحرباء مع محيطها، غير أن ألواننا لا تظهر على جلودنا بل في الطريقة التي نواجه بها الحياة.
لهذا قد يكون القناع أحياناً هروباً مؤقتاً من واقع موجع، وأحياناً دفاعاً ، وأحياناً سترا نحفظ به خصوصية ألم لا نريد أن يصبح مشاعاً أمام الآخرين.
فنحن لسنا ملزمين بأن نعرض جراحنا أمام الجميع.
هناك من يحبنا بصدق، فيحزن لحزننا ويقوينا حين نضعف، وهناك من قد يرى في تعثرنا فرصة للمقارنة أو الشماتة أو الشعور بالتفوق. والزمن والمواقف وحدهما يكشفان الفرق.
لذلك لا أرى في إخفاء بعض أوجاعنا جبناً ولا في الاحتفاظ ببعض الخيبات لأنفسنا كذباً. فالألم ملك صاحبه، وهو وحده من يقرر متى يكشفه، وكيف وأمام مَن.
ونحن نرتدي مثل هذه الأقنعة كل يوم دون أن ننتبه.
قد تقف المعلّمة أمام باب صفها وهي تحمل مشكلة عائلية، أو خيبة، أو تعباً، وربما كانت قبل دقائق مثقلة بما لا يعرفه أحد. لكنها حين تدخل إلى طالباتها، تغلق باباً على كل ذلك وترتدي ابتسامة رقيقة موزونة وثقة بالنفس، وتبدأ درسها.
هل هي تكذب؟
لا.
إنها قررت ألّا تجعل ألمها جزءاً من درس لا ذنب لطالباتها فيه. لقد ارتدت في تلك اللحظة قناع المسؤولية لتؤدي رسالتها.
والأب أيضاً قد يعود إلى بيته بعد يوم قاسٍ أرهقه العمل أو أثقلته مسؤولياته لكنه حين يفتح الباب ويرى أطفاله، يحاول أن يستعيد صورة الأب الذي يمنحهم الأمان. قد يؤجل حزنه ويبتسم لهم، رغم أن شيئاً في داخله لا يبتسم.
هو أيضاً لا يخدعهم، بل يحاول ألّا يجعل خوفه خوفهم وألّا يحملهم ما لا يستطيعون حمله.
وهكذا نضع قناع القوة حين نحتاج إلى الثبات، وقناع الهدوء حين تضج داخلنا الأسئلة، وقناع الابتسام حين لا يكون المكان مناسباً للبكاء، وقناع الصمت حين ندرك أن الكلام لن يغيّر شيئاً .
وقد نصمت أحياناً ونحن نعرف الحقيقة كاملة لا لأننا تخلّينا عنها، بل لأن وقتها لم يحن بعد. فليس كل صمت ضعفاً ، وليس كل تجاهل هروباً. أحياناً نؤجل الكلام لأننا ندرك أن الحقيقة نفسها تحتاج إلى توقيت، وأن قولها في اللحظة الخطأ قد يهدرها بدل أن ينصفها. عندها يصبح الصمت قناعاً آخر من أقنعة الحماية؛ نرتديه مؤقتاً، حتى تأتي اللحظة التي يصبح فيها للكلام أثر.
هذه الأقنعة لم نجدها جاهزة أمامنا نحن صنعناها.
صنعتها التجارب والخيبات والمسؤوليات والأشخاص والأزمنة التي مررنا بها.
لكن للقناع حدوداً.
فما نرتديه لنستمر لا ينبغي أن يتحول إلى سجن، وما نخفيه عن الآخرين لا ينبغي أن نخفيه عن أنفسنا.
في نهاية اليوم، عندما نعود إلى غرفتنا ونغلق الباب ونقف أمام المرآة تسقط أدوار كثيرة. هناك يظهر الوجه الذي يعرف الحكاية كاملة يعرف أين فشلنا، وأين انكسرنا، وأين بكينا، وأين انتصرنا، وكم مرة وقفنا بعدما اعتقدنا أننا لن نستطيع الوقوف مجدداً.
أمام تلك المرآة لا نحتاج إلى قناع.
وربما ليست الحكمة أن نعيش بلا أقنعة، وإنما أن نعرف أي قناع نرتدي، ولماذا نرتديه، ومتى ينبغي أن نخلعه.
أن نعرف الفرق بين قناع نخدع به الآخرين، وقناع نحمي به أنفسنا بين قناع يخفي خبثاً ، وقناع يستر وجعاً بين قناع نرتديه لنأخذ من الآخرين، وقناع نرتديه لكي نستطيع أن نعطي رغم ما ينقصنا.
فالأول زيف...
أما الثاني، فقد يكون واحداً من أكثر أشكال القوة هدوءاً
لذلك لا أخشى كثرة الأقنعة بقدر ما أخشى أن ينسى الإنسان وجهه بينها.
ارتدِ ما تحتاجه منها لتعبر يومك، وتحمي قلبك، وتؤدي مسؤولياتك...
لكن حين تعود إلى نفسك، اخلعها جميعاً .
فالعالم ليس مضطراً أن يرى كل ما فيك
أما أنت، فيجب ألّا تصبح يوماً غريباً عن وجهك الحقيقي.

0 تعليقات