حين يُذكر اسم كركوك اليوم، يحضر النفط سريعا في الذاكرة، حتى بدا وكأن تاريخ المدينة بدأ مع أول بئر تدفق منها الذهب الأسود.
لكن الحقيقة أن كركوك كانت مدينة نابضة بالحياة قبل النفط بقرون طويلة مدينة لها قلعتها وأسواقها وخاناتها وتجارتها وحرفها، ولها نسيج حضري واجتماعي تشكّل عبر مراحل تاريخية متعاقبة.
فكيف كانت كركوك قبل أن تصبح واحدة من أشهر مدن النفط في العراق؟
مدينة تتشكل حول القلعة والسوق
كانت قلعة كركوك قلباً تاريخياً للمدينة، قائمة على تل مرتفع يطل على نهر الخاصة، وتحمل في داخلها شواهد معمارية ودينية تعود إلى عصور مختلفة.
ومع نمو المدينة لم تبقَ الحياة محصورة داخل القلعة؛ فقد امتدت الأسواق والنشاطات التجارية إلى المناطق المحيطة بها، وأصبح السوق جزءًا أساسياً من تكوين كركوك القديمة.
وتكشف الدراسات التي تناولت كركوك في العهد العثماني عن وجود منشآت تجارية مهمة، من بينها قلعة خان، وبياز خان، وسوق القيصرية، وهي منشآت لم تكن مجرد أبنية، بل كانت جزءا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.
أما قيصرية كركوك، التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر، فكانت واحدة من أبرز شواهد تلك الحياة التجارية، بما ضمته من دكاكين وغرف وممرات مغطاة، لتبقى شاهدًا على مدينة عرفت التجارة والأسواق المنظمة قبل أن تعرف اقتصاد النفط.
قبل أبراج النفط...
كان اقتصاد كركوك يعتمد على النشاط التجاري والحرفي وما توفره المناطق الزراعية المحيطة بها.
فالأسواق والخانات لم تكن معالم معمارية فحسب؛ بل أماكن يلتقي فيها التجار وأصحاب المهن وأهالي المدينة والقادمون إليها، وتتبادل فيها السلع والمنتجات.
وهكذا كانت لكركوك دورة حياة اقتصادية قائمة بذاتها قبل ظهور شركات النفط ومنشآتها.
ثم جاء القرن العشرون، واقتربت المدينة من اللحظة التي ستغيّر مسار تاريخها.
ليلة تغيّر بعدها وجه كركوك
في 14 تشرين الأول/أكتوبر 1927 تحقق الاكتشاف التجاري الكبير للنفط في كركوك، عندما اندفع النفط من البئر رقم (1) في منطقة بابا كركر.
لم يكن ذلك اكتشافا عابراً
فحقل كركوك سيصبح لاحقًا واحدًا من الحقول النفطية العملاقة، وستبدأ صناعة جديدة بإعادة تشكيل اقتصاد المدينة وعمرانها وحركتها السكانية.
وفي عام 1934 بدأت مرحلة الإنتاج التجاري للنفط الخام من حقول كركوك وتصديره إلى الأسواق العالمية.
ومن هنا بدأت كركوك تدخل زمناً جديداً .
مدينة قديمة ومدينة تولد من جديد
لم يغير النفط اقتصاد كركوك وحده.
فمع توسع الصناعة النفطية ازدادت الحاجة إلى العمال والموظفين والفنيين، وظهرت منشآت ومساكن وطرق ومرافق مرتبطة بالصناعة الجديدة، وبدأ العمران يتوسع تدريجيًا.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الأثر الأكبر لصناعة النفط في سكان كركوك وعمرانها أصبح أكثر وضوحًا خلال العقود التالية للاكتشاف.
وهكذا بدأت تتشكل إلى جانب كركوك القديمة، كركوك أخرى حديثة ارتبط اسمها بالشركات والآبار والأنابيب والعمال.
لكن الأسواق القديمة والقلعة والخانات بقيت تروي فصلًا أقدم من الحكاية.
بابا كركر… حين خرج الذهب الأسود من الأرض
ارتبط اسم بابا كركر طويلاً بالنيران الطبيعية الناتجة عن تسرب الغاز من باطن الأرض، قبل أن يصبح الاسم نفسه أحد أشهر الأسماء في تاريخ النفط العراقي.
ومع تفجر البئر سنة 1927، انتقلت كركوك إلى مرحلة جديدة كليًا.
لكن النفط، مهما كان تأثيره عظيمًا، لم يصنع تاريخ كركوك من الصفر.
لقد غيّر وجه مدينة كانت موجودة قبله، لها أسواقها وتجارتها وحرفها وأحياؤها وذاكرتها.
ولهذا، فإن العودة إلى كركوك قبل النفط لا تعني البحث عن مدينة اختفت، بل البحث عن الطبقة الأقدم من هوية مدينة ما زالت آثارها حاضرة في القلعة والقيصرية والأزقة القديمة.
فكركوك لم تولد مع الذهب الأسود...
بل كان النفط فصلًا جديداً في كتاب مدينة سبقت آباره بقرون طويلة.
المصادر والمراجع:
-
دلشاد عمر عبد العزيز، اكتشاف النفط وأثره على زيادة السكان وتطور العمران في كركوك 1934–1972: دراسة تاريخية، مجلة جامعة كركوك للدراسات الإنسانية، المجلد 12، ص 157–171.
-
Ahmed Nawzad Salahaldin Omar، Osmanlı Dönemi Kerkük'te Ticaret Yapıları: Kale Han, Beyaz Han ve Kayseriyye Kapalı Çarşı، جامعة سليمان ديميريل، معهد العلوم الاجتماعية، 2019.
-
UNESCO World Heritage Centre، Kirkuk Citadel، ملف قلعة كركوك المدرج على القائمة التمهيدية للتراث العالمي، 2021.
-
Nelida Fuccaro، Reading Oil as Urban Violence: Kirkuk and Its Oil Conurbation, 1927–58، ضمن كتاب Urban Violence in the Middle East: Changing Cityscapes in the Transition from Empire to Nation State.
وكالة صدى الثقافية | منكم وإليكم

0 تعليقات