بقلم: ديار الهرمزي
قد يكون التركمان أحد أكثر المكونات العراقية التي ستتأثر بالتغيرات التي بدأت مع الانسحاب الأمريكي، ليس لأنهم يمتلكون أكبر قوة عسكرية أو سياسية، وإنما لأن مناطق وجودهم تقع في قلب التنافس بين بغداد وأربيل وأنقرة والقوى الأخرى.
كركوك هي المثال الأوضح
فالمدينة ليست مجرد مدينة نفطية، بل واحدة من أكثر المناطق حساسية في العراق، بسبب تنوعها السكاني وتداخل المطالب السياسية حول هويتها وإدارتها ومستقبلها.
ولهذا، فإن مستقبل التركمان لا يمكن فصله عن مستقبل كركوك.
تطور سياسي غير مسبوق
في أبريل/نيسان 2026، انتُخب محمد سمعان آغا، رئيس الجبهة التركمانية العراقية، محافظًا لكركوك.
الحدث مهم للتركمان؛ لأنه أعاد منصب المحافظ إلى شخصية تركمانية بعد فترة طويلة، كما رحبت به تركيا باعتباره خطوة باتجاه تمثيل مكونات المحافظة.
لكن الوصول إلى منصب المحافظ شيء، والحفاظ على توازن كركوك شيء آخر.
فالنجاح الحقيقي لن يُقاس فقط بمن يجلس في مكتب المحافظ، وإنما بقدرته على إدارة مدينة تضم مكونات سياسية وقومية متعددة.
لماذا الانسحاب الأمريكي مهم للتركمان؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن التركمان بعيدون عن الملف الأمريكي.
لكن الحقيقة مختلفة.
فالوجود الأمريكي كان جزءًا من منظومة الردع العراقية، خصوصًا في المناطق المتنازع عليها.
بعد الانسحاب، يصبح الأمن العراقي أكثر اعتمادًا على القوات الاتحادية والحشد والشرطة المحلية والبيشمركة في المناطق التي تتداخل فيها المصالح.
وهنا يظهر السؤال:
إذا حدث خلاف كبير بين بغداد وأربيل حول كركوك، أين يقف التركمان؟
هذا السؤال سيكون من أهم الأسئلة السياسية في 2027.
وفي يونيو/حزيران 2026، استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان محافظ كركوك ورئيس الجبهة التركمانية، وأكد استمرار الدعم التركي للسلام والاستقرار في كركوك ولحقوق التركمان الدستورية.
وفي يوليو/تموز، زار رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن كركوك، والتقى محافظها ومسؤولين من الجبهة التركمانية، بعد سلسلة اجتماعات أمنية وسياسية في بغداد.
هذه التحركات لا تعني أن كركوك أصبحت تركية، أو أن التركمان أصبحوا تابعين لأنقرة.
لكنها تؤكد أن تركيا تنظر إلى التركمان وكركوك باعتبارهما جزءًا مهمًا من سياستها العراقية.
ولكن التركمان ليسوا كتلة واحدة
هذه نقطة أساسية كثيرًا ما يتم تجاهلها.
التركمان العراقيون ليسوا تيارًا سياسيًا واحدًا.
وبالتالي، فإن الخطر ليس فقط في الصراع بين التركمان والكرد أو العرب.
هناك أيضًا خطر الانقسام داخل البيت التركماني نفسه.
هل يمكن أن يصبح التركمان جسرًا؟
هناك احتمال آخر.
بدلًا من أن يصبح التركمان جزءًا من الصراع، يمكن أن يصبحوا أحد الأطراف التي تساعد على منع الصراع.
كركوك تحتاج إلى نموذج إدارة يشعر فيه التركمان والكرد والعرب والمسيحيون بأنهم جزء من المدينة.
وإذا استطاعت القيادة التركمانية أن تتعامل مع منصب المحافظ باعتباره مسؤولية عن جميع سكان كركوك، وليس فقط عن التركمان، فقد يتحول المنصب إلى فرصة لبناء نفوذ سياسي طويل الأمد.
وهذا يتوافق أيضًا مع الخطاب التركي الرسمي الذي ربط تعيين المحافظ التركماني بمبدأ التمثيل العادل لجميع مكونات المحافظة.
النفط يزيد أهمية التركمان
هناك عامل آخر يجعل كركوك أكثر أهمية:
النفط.
في يوليو/تموز 2026، أعلنت تركيا أن شركة النفط التركية حصلت على شراكة في حقل إنتاج كركوك ضمن اتفاق جديد مع العراق.
وهذا يعني أن كركوك لن تكون قضية قومية أو سياسية فقط، بل ستكون أيضًا قضية اقتصادية وإقليمية.
وكلما زادت أهمية النفط والطاقة وممرات التجارة، زادت أهمية الاستقرار السياسي في المدينة.
الخطر الأكبر
الخطر الأكبر على التركمان ليس بالضرورة أن يخسروا منصبًا سياسيًا.
الخطر الأكبر هو أن تتحول كركوك إلى ساحة صراع بالوكالة بين القوى الخارجية.
إذا أصبحت المدينة ساحة مواجهة بين بغداد وأربيل، أو بين تركيا وإيران، أو بين القوى المحلية المختلفة، فإن التركمان، بحكم موقعهم وتركيبتهم السكانية، قد يجدون أنفسهم في قلب الأزمة.
ولهذا، فإن مصلحة التركمان ترتبط قبل كل شيء باستقرار كركوك.
ماذا يمكن أن يحدث في 2027؟
هناك مساران رئيسيان:
في المسار الأول، ينجح المحافظ التركماني في بناء إدارة متوازنة، وتتعاون المكونات الثلاثة الرئيسية، ويصبح التركمان طرفًا سياسيًا مؤثرًا في إدارة المحافظة، دون أن يتحولوا إلى طرف صدامي.
وفي المسار الثاني، يعود التنافس حول هوية كركوك والأمن والنفط والمناصب، وتبدأ القوى المحلية والإقليمية في استخدام الانقسامات القومية والمذهبية.
في الحالة الثانية، ستكون كركوك أمام اختبار صعب.
التركمان أمام فرصة تاريخية
ربما تكون المفارقة أن الانسحاب الأمريكي يحمل للتركمان خطرًا وفرصة في الوقت نفسه.
الخطر هو فقدان جزء من مظلة الردع الدولية.
والفرصة هي أن يصبح التركمان أكثر أهمية في المعادلة السياسية العراقية، خصوصًا بعد وصول شخصية تركمانية إلى منصب محافظ كركوك.
لكن النجاح يتطلب شيئًا أساسيًا:
أن يكون القرار التركماني عراقيًا أولًا، وأن تكون العلاقات مع تركيا وإيران وبغداد وأربيل أدوات لحماية المصالح التركمانية، لا سببًا لانقسام المجتمع التركماني.
فالمرحلة القادمة لن تُحسم بعدد الجنود الموجودين في العراق، بل بمن يستطيع بناء التوازن.
وكركوك، أكثر من أي مكان آخر، ستكون المكان الذي سيظهر فيه هذا التوازن أو يفشل.
بعد الانسحاب الأمريكي، قد لا يكون السؤال:
من يسيطر على كركوك؟
بل:
هل تستطيع كركوك أن تصبح مدينة يتقاسمها الجميع، بدلًا من أن يتصارع الجميع عليها؟
السياسية

0 تعليقات