عراق

براءة أبنائنا بين ثقة الأهل وخطر المحيط ….







بقلم الأستاذ عمر الصالحي


(براءة أبنائنا بين ثقة الأهل وخطر المحيط) 

ثق بأبنائك… لكن لا تثق بكل ما يحيط بهم.

قد يكون البيت آمناً، والأبناء أبرياء، لكن هناك عالمٌ آخر قد يدخل بينهم من خلال شاشة صغيرة؛ هاتف، حاسوب، جهاز لوحي أو حتى جهاز ألعاب، وقد يتسلّل الخطر أيضاً من خلال لقائهم بأشخاصٍ ذوي نفوس ٍ غير سوية، لا سامح الله. 
عالمٌ غريب عن براءة الطفل، وقد يصل إليه بفضول بسيط، أو بضغطة عابرة، أو من خلال رابط يرسله أحدهم.
ولذلك.. فإن حماية الأبناء اليوم لم تعد مسؤولية تقوم على المنع وحده، بل على الوعي والمتابعة والحوار وبناء الثقة الصحيحة.



01 | المشكلة: شاشة تفتح أبواباً لا يعرف الطفل خطورتها

قد يجد الطفل أمامه، بضغطة عابرة، مشاهد إباحية قذرة وقبيحة لا تتناسب مع عمره ولا مع فطرته السليمة، وقد تترك في نفسه آثاراً عميقة؛ فتشوّه نظرته إلى العلاقات والآخرين، وتضعف عنده مفهوم الحياء والخصوصية، وتفتح أمامه أبواباً من الأفكار والسلوكيات التي لم يكن مستعداً لها نفسياً أو عمرياً.



الحل: لا تتركوا الشاشة بلا حدود

ينبغي أن يكون استخدام الهاتف أو الحاسوب لغرض الدراسة أو التعلم أو التصفح الإيجابي والسليم، وفي أوقات محددة، وتحت متابعة الأهل قدر الإمكان.
ولا ينبغي أن يتحول الجهاز إلى عالم خاص بعيداً عن الأسرة، خصوصاً في سنوات الطفولة والمراهقة.
والأهم من الرقابة التقنية أن نعلّم أبناءنا ماذا يفعلون إذا ظهر أمامهم محتوى غير مناسب، أو أرسل لهم شخص صورة أو مقطعاً أو رابطاً مشبوهاً.



 02 | المشكلة: ما يحدث في المدرسة قد يبقى خلف أبوابها

قد يواجه الطفل سلوكاً أو حديثاً غير سليم داخل المدرسة، أو يتلقى من زميل شيئاً لا ينبغي أن يتلقاه، وقد يسكت خوفاً من أن يُتهم بالوشاية أو التدخل.
ومن أبسط الأمثلة على ذلك تناول الأدوية؛ فلا يجوز للطفل أن يقبل أي دواء من زميل أو زميلة، مهما كانت الحالة الصحية، ومهما قيل له إن هذا الدواء مفيد أو مجرّب.


الحل: علّموهم أن الإبلاغ حماية وليس وشاية

التواصل مع الإدارة عند ملاحظة أي حديث أو غفلة سلوك غير سليم ليس مبالغة ولا تدخلاً، بل مسؤولية تربوية.
وفي حالة الدواء أو أي أمر صحي، فإن التصرف الصحيح هو إبلاغ الإدارة فوراً لاتخاذ الإجراءات اللازمة وإبلاغ الأهل.
فقد يكون إبلاغ واحد سبباً في حماية طفل آخر من الوقوع في المشكلة نفسها.



03 | المشكلة: الخطر قد يأتي من شخص نعرفه

فالطفل قد يكون بريئاً، لكن من حوله قد لا يكون كذلك.
والخطر لا يأتي دائماً من الإنترنت أو المدرسة، فقد يكون في المكان الذي يقضي فيه الطفل وقته خارج البيت؛ عند جار، أو قريب، أو صديق، أو مع شخص يتولى نقله.


الحل: اعرفوا مَن نأتمنه على أبنائنا

انتبهوا إلى مَن يحيط بأبنائكم خارج البيت.
فلا تتركوهم لساعات طويلة عند الجيران أو الأقارب أو أي شخص آخر دون معرفة كافية بالمحيط الذي سيكونون فيه، ولا تسلموهم لسائق نقل مدرسي لا تعرفونه ولا تثقون بأمانته وسلوكه.
وعلّموهم ألا يذهبوا مع أحد أو يركبوا مع غير سائقيهم المعتادين دون إذنكم، وأن يخبروكم فوراً عن أي موقف غريب أو تصرف يزعجهم.
حماية أبنائنا لا تعني الشك بالجميع، بل أن نعرف مَن نأتمنه عليهم.



04 | المشكلة: طفل يخاف أن يخبر أهله

قد يتعرض الطفل لحديث غير سليم، أو صورة، أو مقطع، أو طلب غريب، أو تصرف يشعره بعدم الارتياح، لكنه قد يخفي ذلك خوفاً من العقاب أو اللوم.
وهنا قد يكون الصمت أخطر من المشكلة نفسها.


الحل: اجعلوا الصراحة أكثر أماناً من الصمت

علّموا أبناءكم ألا يكذبوا عليكم، وأضع تحتها ألف خط.
وألا يخفوا عنكم تفاصيل يومهم، وأن يشاركوا أهلهم بما يحدث معهم في المدرسة وخارجها.
علّموهم أن يقولوا «لا» عندما يكون الأمر غير صحيح، وأن يعرفوا أن إخبار الأهل ليس خيانة لصديق، ولا وشاية بزميل، وإنما حماية لأنفسهم ولغيرهم.
واجعلوا البيت المكان الذي يستطيع فيه الطفل أن يخبركم بأي شيء دون خوف.
اسألوا دون تحقيق… واستمعوا قبل أن تحكموا.



05 | المشكلة: حين تتحول الثقة إلى غفلة.. والرقابة إلى خنق

أبناؤنا اليوم يعيشون في عالم مفتوح، والمعلومة تصل إليهم أسرع مما نتخيل، ولذلك لم تعد التربية مجرد أوامر ونواهٍ.
وفي المقابل، فإن الرقابة التي تتحول إلى خنق قد تدفع الطفل إلى إخفاء ما يحدث معه بدل طلب المساعدة.


الحل: تربية تجمع بين الثقة والوعي

التربية اليوم تعني متابعة، وتوجيهاً، وحواراً، وتثقيفاً، ونصحاً، وإرشاداً، وحضوراً دائماً في حياة أبنائنا.
راقبوا دون أن تخنقوا أبناءكم، وثقوا بهم دون أن تتركوا لهم كل الأبواب مفتوحة.
اسألوا دون تحقيق، واستمعوا قبل أن تحكموا.
فالأبناء لا يحتاجون فقط إلى الطعام والتعليم والملبس، بل يحتاجون إلى من يحمي عقولهم، ويحافظ على براءتهم، ويعلّمهم كيف يميزون بين الصحيح والخطأ.
لا تبخلوا عليهم بالمتابعة والتوجيه؛ فهذه ليست قيوداً على حياتهم، وإنما وقاية لمستقبلهم.


كلمة أخيرة إلى كل أب وأم

 ثق بأبنائك…
لكن لا تثق بكل شاشة تقع بين أيديهم، ولا بكل شخص يدخل عالمهم، ولا بكل فكرة تصل إلى عقولهم.
فالوعي لا يعني أن نشك بأبنائنا، والرقابة لا تعني أن نخنقهم، والثقة لا تعني أن نترك لهم كل الأبواب مفتوحة.

قد تهدم أسرتك من حيث لا تعلم، ثم تبحث عن السبب بعد فوات الأوان… ولا حين مندم.


الإداري التربوي
عضو الجمعية العراقية للعلاج النفسي
عمر الصالحي

إرسال تعليق

0 تعليقات