عراق

حين لا يصمت العقل…لماذا نعيد المواقف في رؤوسنا مرارا؟




انتهى الموقف منذ ساعات، وربما منذ أيام، لكن العقل لم يغادره بعد.

نعيد الحوار من البداية، نتذكر كلمة قيلت لنا، ونفكر: لماذا قالها؟ لماذا لم أُجبه بهذه الطريقة؟ ماذا لو كنت تصرفت بشكل مختلف؟

وقد نكون في فراشنا استعدادا للنوم، فإذا بالعقل يقرر فجأة فتح ملف قديم ظننا أننا أغلقناه منذ سنوات!

هذه الحالة ليست غريبة في علم النفس، ويُستخدم لوصف أحد أشكالها مصطلح الاجترار الفكري (Rumination)، وهو الدوران المتكرر حول أفكار أو مشاعر سلبية من دون أن يقود هذا الدوران بالضرورة إلى حل. ويُدرج الباحثون الاجترار والقلق أحياناً  ضمن مفهوم أوسع يسمى التفكير السلبي المتكرر. وتشير الدراسات إلى ارتباطه بأعراض القلق والاكتئاب، مع التأكيد أن وجوده لا يعني وحده أن الإنسان مصاب باضطراب نفسي.

عندما يتنكر الاجترار في صورة «بحث عن حل»

المشكلة أن الإنسان قد لا يشعر بأنه عالق في دائرة تفكير، بل يعتقد أنه يحلل الموقف حتى يفهمه.

وهنا يكمن الفرق المهم.

التفكير البنّاء يسأل: ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟

أما الاجترار فيعود غالباً إلى أسئلة من نوع: لماذا حدث هذا؟ لماذا فعلت ذلك؟ ماذا كان سيحدث لو أنني قلت كذا؟

الأول يتحرك باتجاه قرار أو فعل، أما الثاني فقد يعيدنا إلى النقطة نفسها مرة بعد مرة.

ولهذا يمكن أن نقضي ساعة كاملة في التفكير في مشكلة، ثم نكتشف أننا لم نقترب خطوة واحدة من حلها.

ولماذا يفعل العقل ذلك؟

ليس لأن العقل يريد تعذيب صاحبه.

في كثير من الأحيان يحاول الإنسان فهم حدث مؤلم، أو منع تكراره، أو الوصول إلى شعور باليقين. لكن محاولة الحل نفسها قد تتحول إلى عادة ذهنية متكررة يصعب إيقافها.

وتشير أبحاث حديثة إلى أن طريقة حدوث التفكير السلبي المتكرر، وليس محتوى الأفكار وحده، مهمة في فهم علاقته بالضيق النفسي. كما أن الأبحاث العصبية حول الاجترار تشير إلى وجود أنماط مرتبطة بالتواصل بين شبكات دماغية متعددة، لكن النتائج ليست بسيطة بما يكفي لاختزال الاجترار في «منطقة واحدة من الدماغ».

لماذا يزداد ليلا ً؟

في النهار هناك عمل، وأشخاص، وأصوات، وهواتف، والتزامات ومهمات تشغل الانتباه.

وعندما يهدأ كل شيء، تصبح الأفكار أكثر وضوحاً.

لذلك يعرف كثير منا ذلك المشهد جيداً:

نضع الرأس على الوسادة…

وفجأة نتذكر حواراً حدث قبل خمس سنوات!

كيف نعرف أننا لم نعد «نفكر»، بل أصبحنا نجتر الأفكار؟

يمكن أن نسأل أنفسنا سؤالا بسيطاً:

هل أنتج تفكيري معلومة جديدة أو قراراً يمكنني تنفيذه؟

إذا كانت الإجابة لا، وكنا نعيد الأسئلة والسيناريوهات نفسها، فمن المحتمل أننا ندور في الحلقة ذاتها.

وهنا لا يكون المطلوب أن نقول لأنفسنا: «لا تفكر»؛ فالعقل لا يملك زراً نطفئه متى شئنا.

الأجدى أن نغيّر طريقة التعامل مع الفكرة.

نكتبها، ونحدد إن كانت المشكلة قابلة للحل الآن، ونختار خطوة عملية صغيرة إن كان هناك ما يمكن فعله. وإذا لم يكن هناك شيء يمكن تغييره في هذه اللحظة، ننقل انتباهنا عمداً إلى نشاط آخر بدل الاستمرار في إعادة المحاكمة الذهنية للماضي.

وقد وجدت مراجعات ودراسات تحليلية أن التدخلات النفسية، ومنها أساليب العلاج المعرفي السلوكي، يمكن أن تقلل التفكير السلبي المتكرر والاجترار، وهناك أيضاً  علاجات معرفية سلوكية طُورت خصيصاً لاستهداف الاجترار.

لسنا بحاجة إلى حل كل شيء في رؤوسنا

بعض الأسئلة لها إجابات.

وبعضها لا يملك جواباً كاملاً  مهما أعدنا التفكير فيه.

وبعض المواقف انتهت، لكننا نحن الذين ما زلنا نمنحها حياة جديدة كل ليلة.

ربما تكون إحدى المهارات النفسية المهمة أن نتعلم التمييز بين فكرة تحتاج إلى حل، وفكرة تحتاج إلى أن نسمح لها بالمرور.

فليس كل ما يطرق باب العقل يستحق أن ندعوه إلى الإقامة فيه.

إعداد: وكالة صدى الثقافية

إرسال تعليق

0 تعليقات