إعداد: انس حكيم
وكالة صدى الثقافية
في قلب قلعة كركوك، وبين أزقتها ومعالمها التي تختزن طبقات متعاقبة من تاريخ المدينة، تقبع إلى جوار جامع النبي دانيال مقبرة صغيرة قد لا تلفت مساحتها انتباه الزائر بقدر ما تلفته الأسماء والتواريخ والرتب العسكرية المنقوشة على شواهدها.
إنها مقبرة الضباط العثمانيين في قلعة كركوك، المعروفة أيضاً في بعض المصادر باسم «الشهداء»، وهي واحدة من الشواهد الباقية على المرحلة العثمانية من تاريخ المدينة. ولا تضم المقبرة ضباطاً فحسب، بل مسؤولين عثمانيين وشخصيات من أعيان كركوك وآخرين ارتبطوا بجامع النبي دانيال.
📌 27 موضع دفن... وبعض الشواهد فُقدت
تكشف دراسة أكاديمية موسعة بعنوان «مقبرة الضباط العثمانيين (الشهداء) في كركوك»، أعدها الباحثان Vehbi Günay وSaad F. Oumar ونشرت عام 2017 في مجلة Cihannüma لتاريخ وأبحاث الجغرافيا، أن المقبرة تضم 27 موضع دفن.
لكن الرقم لا يعني وجود 27 شاهداً يمكن قراءته اليوم؛ فالدراسة تشير إلى أن بعض القبور فقدت شواهدها، فيما تعرضت شواهد أخرى للكسر أو التلف، وأصبحت بعض كتاباتها غير مقروءة.
وتعود شواهد القبور العثمانية التي تمكن الباحثان من تأريخها إلى الفترة الممتدة بين 1887 و1916، وهو ما يجعل المقبرة سجلاً يمتد لنحو ثلاثة عقود من أواخر الحكم العثماني.
وهنا لا بد من تصحيح معلومة قد تتكرر عند الحديث عن المكان: ليس جميع المدفونين في المقبرة من شهداء الحرب العالمية الأولى؛ فأقدم الشواهد الموثقة تعود إلى عام 1887، أي قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914 بسنوات طويلة.
📌 من يرقد في هذه المقبرة؟
تزداد القيمة التاريخية للموقع عندما نقرأ الأسماء والرتب التي بقيت على شواهده.
فقد وثقت الدراسة قبور ضباط من رتب عثمانية مختلفة، بينها فريق/باشا، وميرلوا، وميرالاي، وبن باشي ويوزباشي، إلى جانب شخصيات مدنية ودينية. ومن الشواهد التي وصلت كتاباتها إلى عصرنا قبر الفريق الحاج محمد لطفي باشا، قائد الفرقة النظامية الثانية عشرة في كركوك، والمتوفى سنة 1906، وقبر الميرلوا أحمد رفعت باشا، قائد اللواء 51 رديف، والمتوفى سنة 1899، وكذلك الميرالاي مصطفى نافذ بك، قائد الفوج 48، والمتوفى سنة 1897.
وتوثق الدراسة كذلك قبر أحمد آغا، يوزباشي السرية الأولى من الكتيبة الرابعة للفوج 31 التابع للجيش الرابع، والمتوفى سنة 1892، وقبر السيد الحاج محمد سعيد أفندي الدمشقي، يوزباشي السرية الأولى من فوج الفرسان الرابع والثلاثين، والمتوفى سنة 1906.
كما يوجد قبر محمد ملول بك، ابن طاهر باشا والي الموصل السابق، والمتوفى سنة 1892.
وهذه التفاصيل تجعل شواهد المقبرة أقرب إلى وثائق تاريخية حجرية؛ فهي لا تحمل أسماء الموتى فحسب، وإنما تحفظ رتبهم ووظائفهم ووحداتهم العسكرية وتواريخ وفاتهم.
عمر ناجي بك... قبر يرتبط بالحرب العالمية الأولى
ومن أشهر القبور الموجودة في المقبرة قبر عمر ناجي بك (Ömer Naci Bey)، أحد أبرز رجال جمعية الاتحاد والترقي، والذي ارتبط اسمه أيضاً بالنشاط العسكري والسياسي العثماني خلال الحرب العالمية الأولى.
وتذكر الدراسة أنه شارك خلال سنوات الحرب 1915–1916 في عمليات عسكرية على الجبهة الشرقية وفي منطقة الحدود الإيرانية، قبل أن يُعيَّن مستشاراً سياسياً للجيش السادس في بغداد في حزيران 1916. ثم أصيب بمرض التيفوس وتوفي في كركوك في 29 تموز/يوليو 1916، ودُفن في هذه المقبرة.
وبذلك يمثل قبر عمر ناجي أحد الشواهد الواضحة داخل المقبرة المرتبطة فعلياً بزمن الحرب العالمية الأولى، بخلاف عدد من القبور الأخرى التي تسبق الحرب.
📌 ليست مقبرة للعسكريين وحدهم
وثمة جانب آخر مثير للاهتمام تكشفه الدراسة: المكان لم يكن حكراً على الضباط.
فمن بين الشواهد الموثقة قبر عبد الفتاح أفندي، إمام جامع النبي دانيال، والمؤرخ بسنة 1892، كما تضم المقبرة قبر سلطان خان بنت السيد خضر، وتصفها الدراسة بأنها والدة القائمين على خدمة مقام النبي دانيال، وتوفيت سنة 1960، وهي المرأة الوحيدة التي سجلتها الدراسة ضمن قبور الموقع.
كما يوجد قبر الشيخ سعيد صالح آغا عناية، الذي ارتبط بخدمة جامع النبي دانيال، وتوضح الدراسة أن شاهده القديم تعرض للكسر، كما تشير إلى وجود تضارب في التاريخ المثبت على الشاهد الأحدث.
وهذا التنوع يعطينا صورة أدق عن المكان: فنحن أمام مقبرة تاريخية ارتبطت بالوجود الإداري والعسكري العثماني وبجامع النبي دانيال والمجتمع المحلي في كركوك، وليست مجرد مدفن عسكري بالمعنى الضيق.
📌 جامع النبي دانيال... تاريخ يجاور تاريخًا
ولا يمكن الحديث عن المقبرة بمعزل عن جامع النبي دانيال الذي تقع بجواره.
فبحسب ملف قلعة كركوك لدى مركز التراث العالمي في اليونسكو، يُعد جامع النبي دانيال من أقدم وأشهر مساجد القلعة، ويتميز بمئذنته التاريخية التي يؤرخها الملف إلى أواخر العصر المغولي أو بدايات العصر التيموري، أي إلى القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي.
ويذكر الملف أن المسجد يضم قبتين مختلفتي الحجم، ومشاهد متجاورة ومصلى يطل على فناء مفتوح، فضلاً عن القيمة الروحية والاجتماعية التي ظل المكان يحتفظ بها لدى سكان كركوك.
أما نسبة الأضرحة الموجودة في الجامع إلى النبي دانيال وشخصيات دينية أخرى، فمن الأدق عند تناولها صحفياً وتاريخياً وصفها بأنها منسوبة إليهم وفق الموروث المحلي، ما لم يتوافر دليل أثري قاطع يثبت هوية المدفونين.
📌 القلعة... مدينة فوق مدينة
وتكتسب المقبرة قيمتها أيضاً من موقعها داخل قلعة كركوك نفسها.
فالقلعة مدرجة منذ 6 نيسان/أبريل 2021 على القائمة التمهيدية للعراق لدى مركز التراث العالمي في اليونسكو. ويصفها الملف بأنها واحدة من أقدم أجزاء النسيج الحضري لمدينة كركوك، قائمة على مرتفع يعلو السهل المحيط بنحو 120 قدماً، وتضم عدداً كبيراً من الأبنية والمعالم الدينية والتراثية.
وتنقسم القلعة تاريخياً إلى ثلاثة أجزاء رئيسية هي محلة الميدان، ومحلة القلعة أو أغاليق، ومحلة الحمام. ويربط ملف اليونسكو تسمية «أغاليق» بإقامة قادة الجنود الإنكشارية فيها.
ومن هنا يصبح وجود مقبرة لضباط ومسؤولي الدولة العثمانية داخل القلعة مفهوما ضمن طبيعة المكان الذي كان مركزاً إدارياً وعسكرياً واجتماعياً مهماً في المدينة.
📌 شواهد القبور وثائق لا تقل أهمية عن المباني
حين ننظر إلى قبر قديم قد نراه مجرد حجر يحمل اسم إنسان رحل منذ أكثر من قرن، لكن بالنسبة إلى الباحث في التاريخ، قد يكون هذا الحجر وثيقة لا يمكن تعويضها.
فالاسم، واللقب، والرتبة العسكرية، والوحدة التي خدم فيها المتوفى، وتاريخ الوفاة، وطريقة كتابة النقش وحتى شكل شاهد القبر، جميعها معلومات تساعد الباحثين على إعادة بناء جانب من تاريخ المدينة.
والدراسة الأكاديمية الخاصة بمقبرة كركوك مثال واضح على ذلك؛ فمن خلال قراءة الشواهد أمكن التعرف إلى أسماء ضباط ووحداتهم العسكرية ومسؤولين وشخصيات محلية عاشت أو توفيت في كركوك خلال حقبة زمنية مهمة.
لذلك فإن حماية هذه المقبرة لا تعني الحفاظ على قبور فحسب، وإنما الحفاظ على وثائق أصلية من ذاكرة كركوك.
📌 ذاكرة كركوك التي لا ينبغي أن تضيع
مرت على كركوك دول وحضارات وسلطات متعددة، وتركت كل مرحلة شيئًا من آثارها في المدينة. وفي قلعتها تحديدًا تتجاور الأبنية الدينية والبيوت التراثية والقباب والمآذن والشواهد الجنائزية، لتشكل سجلًا متراكبًا لتاريخ طويل.
وتشير اليونسكو إلى أن القلعة ما زالت تحتفظ بعناصر رئيسية من نسيجها التاريخي رغم ما فقدته من أجزاء، وأن أعمال الحفظ والترميم والتحريات الأثرية تظل ذات أهمية لصون أصالتها وقيمتها.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى مشروع توثيق دقيق لمقبرة الضباط العثمانيين: تصوير كل قبر وشاهد تصويرًا احترافيًا، وقراءة النقوش العثمانية وترجمتها، وتحديد مواقع القبور، ومقارنة الأسماء بالسجلات والأرشيفات التاريخية، ثم حفظ النتائج في أرشيف رقمي متاح للباحثين.
فقلعة كركوك ليست جدراناً ومباني قديمة فقط.
في زاوية صغيرة إلى جوار جامع النبي دانيال، ترقد أسماء حمل أصحابها يومًا رتبًا ومناصب وعاشوا في هذه المدينة، ثم أصبح ما نُقش على حجارتهم جزءاً من تاريخها.
وحين تصمت الروايات، قد تتكلم شواهد القبور.
إعداد: وكالة صدى الثقافية
📚 المصادر:
اعتمد التقرير أساسًا على دراسة Vehbi Günay وSaad F. Oumar، Kerkük Osmanlı Subay Mezarlığı (Şehitliği)، المنشورة في مجلة Cihannüma Tarih ve Coğrafya Araştırmaları Dergisi، المجلد 3، العدد 2، 2017، الصفحات 79–112.
كما اعتمد على ملف Kirkuk Citadel الرسمي المنشور لدى مركز التراث العالمي في اليونسكو.

0 تعليقات