حكاية الايام
بقلم: وجدي نيازالدين أكبر
يا حِبّ، ما أحلى منظرك، وما أحلى الأيام التي قضيناها بوجودك في بيوتنا!
كنتَ لنا المصدر الرئيس لماء الشرب أيام طفولتنا في ستينيات القرن الماضي، وتحتك، حيث تتساقط قطرات الماء الباردة، كانت أمهاتنا يحتفظن لنا باللبن والكاسترد والمحلبية. وحين نعود من اللعب أو من المدرسة، كنا نُخرج ما أعدّته أمهاتنا من تحت الحِبّ، ونجلس لنأكل ونشرب معه شاي العصر.
ولمعاصرتي تلك الأيام، أستطيع القول إن الحِبّ كان ضيفًا خفيفًا على العائلة؛ فلم يكن يشغل من فناء البيت «الحوش» سوى مساحة صغيرة لا تتجاوز نصف متر مربع تقريبًا، لكنه كان يؤدي بعض الوظائف التي تؤديها اليوم الثلاجة والمجمّدة وبرّاد الماء.
والجدير بالذكر أن أكثر من 80% من سكان مدينتنا طوز، حتى عام 1975 تقريبًا، كانوا يعتمدون على الحِبّ في الحصول على ماء الشرب البارد، وكانت العائلات آنذاك كبيرة العدد، حتى إن بعضها كان يضم خمسة عشر فردًا أو أكثر.
وكان الماء يُشرب بطاسة مصنوعة من الخزف، تُسمى بالتركمانية «جنغ». وكثيرًا ما كانت تسقط من اليد فتنكسر، ومن هنا شاع على الألسن مثل تركماني يقول:
«جناغ قريلسين زيلماسين»
ومعناه قريب من: «دع الخزف ينكسر ولا يدوي صوته»، وهو مثل يُضرب في الحث على ستر الأمور وعدم إشاعتها حتى لا تتحول إلى فضيحة تتناقلها الألسن.
ويحدثنا القدماء أنه قبل وصول الإسالة والحنفيات إلى البيوت، كانت بعض العائلات تستعين بعامل مختص لنقل الماء وملء الحبوب الفخارية. وكانت غالبية العائلات تمارس الفلاحة، فضلًا عن تربية الدجاج والحيوانات، ولذلك أصبح المكان أسفل الحِبّ موضعًا مناسبًا لحفظ بعض الأطعمة بعيدًا عن حرارة الجو.
ويروي أهل طوز حكاية طريفة ارتبطت بإحدى المناطق الفلاحية «العشائرية». كان أحد الرجال يعمل منذ الفجر حتى ساعات متأخرة في حرث الأرض وسقي الزرع. وفي إحدى الليالي عاد متعبًا، فرأى زوجته نائمة على سطح المنزل، فناداها وسألها:
– أين عشائي؟
فقالت له إن طعامه من البرغل، وقد وضعته له تحت الحِبّ.
وكان بجانب البرغل علفٌ للحيوانات، والدنيا مظلمة والرجل شديد التعب، فأكل العلف ظنًا منه أنه البرغل!
ثم صعد إلى السطح، فسألته زوجته:
– هل تعشيت؟
فقال:
– نعم، برغلكِ طيب، لكنه كان مالحًا بعض الشيء!
استغربت الزوجة كلامه، فنزلت مسرعة إلى مكان الحِبّ، وكشفت الغطاء، فإذا بها تكتشف أن زوجها تناول علف الحيوانات بدلًا من البرغل.
ولأن الزوجة لم تستطع كتمان الحكاية، انتشر الخبر بين الناس، وأصبح الرجل معروفًا بهذه الواقعة. وتناقل الأهالي تسمية المكان آنذاك بـ**«محلة آكل العلف»**، وبالتركمانية: «علف يهن محللهسي».
وقد بقيت هذه الحكاية متداولة بين أبناء المدينة، ولا تخلو – كما يرويها القدماء – من أصل واقعي.
ورغم بساطة الأحوال وقلة الإمكانات، كانت تلك أيامًا جميلة، بعيدة عن كثير من التعقيدات التي نعيشها اليوم.
ما أحلى تلك الأيام، وما أجمل ذكرياتها...
يا ليتها تعود، ولكن هيهات!

0 تعليقات