عراق

المذاهب الفقهية والتاريخ

بقلم مهندس عباس عقيل




المذاهب الفقهية والتاريخ

من الأمور التي يجهلها أغلب المسلمين مع الأسف أن المذاهب الإسلامية التي استقر حضورها في التاريخ لم تكن منذ البداية مذاهب حصرية تمثل جميع الفقه الإسلامي فقد كان المجال الإسلامي في القرون الأولى أكثر تنوعا واتساعا مما نتصوره اليوم وكانت هناك عشرات المدارس والمذاهب الفقهية والكلامية التي امتلكت أئمة كبارا وتلاميذ ومؤلفات واجتهادات مستقلة
فإلى جانب المذاهب السنية الأربعة والمذهب الجعفري عند الشيعة الإمامية كانت هناك مدارس ومذاهب أخرى مثل مذهب سفيان الثوري ومذهب الليث بن سعد ومذهب الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي والمذهب الظاهري الذي ارتبط بداود الظاهري ثم اشتهر بصورة أوسع مع ابن حزم الأندلسي وغيرها من المدارس والمذاهب التي كان لها حضور علمي في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي
وكان هذا التنوع الفقهي والفكري جزءا طبيعيا من حركة الاجتهاد الإسلامي ولم يكن وجود أربعة مذاهب سنية مستقرة يعني أن الفقه الإسلامي كان منذ البداية محصورا فيها كما أن بقاء مذهب معين واندثار مذهب آخر لا يعني بالضرورة أن الأول كان أكثر صوابا من الثاني فالاستمرار التاريخي للمذهب يرتبط بعوامل متعددة منها قوة المدرسة العلمية وكثرة التلاميذ والتدوين وانتقال المعرفة بين الأجيال وانتشار المذهب جغرافيا وارتباطه بالتعليم والقضاء والأوقاف والمؤسسات الدينية
ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى قضية اعتماد المذاهب الأربعة في السياق التاريخي الصحيح فقد كانت هذه المذاهب قد اكتسبت قبل العصر المملوكي بقرون حضورا علميا ومؤسسيا واسعا ثم جاء الظاهر بيبرس في القرن السابع الهجري فنظم القضاء في الدولة المملوكية على أساس المذاهب الأربعة وجعل لكل مذهب قاضيا وهذا القرار لم ينشئ المذاهب الأربعة من العدم لكنه منحها إطارا مؤسسيا وقضائيا ساهم في ترسيخ مكانتها وإعادة إنتاجها عبر التعليم والقضاء والوظائف الدينية
وبالمثل فإن حضور المذهب الجعفري في الدولة والمجتمع الشيعي الإمامي تشكل عبر مسار تاريخي طويل تداخلت فيه عوامل دينية وعلمية وعقدية وسياسية واجتماعية ولا يمكن اختزال هذا المسار كله في سبب واحد
ولهذا فإن الصورة التي نراها اليوم للمذاهب الإسلامية هي نتيجة قرون طويلة من التراكم التاريخي والتفاعل بين الاجتهاد والعلم والمؤسسة والمجتمع والسلطة وليست صورة مطابقة بالضرورة للخريطة المذهبية التي كانت موجودة في القرون الإسلامية الأولى
إن إدراك هذه الحقيقة لا يعني التقليل من قيمة أي مذهب أو التشكيك في تراثه وإنما يعني أن نفهم تاريخنا كما هو وأن ندرك أن الاختلاف الفقهي والفكري كان أوسع بكثير من الحدود المذهبية التي استقرت في الأزمنة المتأخرة
ولذلك علينا أن نتأنى كثيرا قبل أن ننخرط في صراعات مذهبية لا ضرورة لها وأن ندرك أن كثيرا من الحدود التي يتعامل معها الناس اليوم وكأنها حقائق أزلية ونهائية هي في جانب كبير منها نتاج مسارات تاريخية طويلة
إن معرفة تاريخ التعدد الإسلامي لا ينبغي أن تكون سببا لتعميق الانقسام بين المسلمين بل يمكن أن تكون مدخلا لفهم أوسع وأكثر نضجا يجعلنا نفرق بين الاختلاف العلمي الطبيعي وبين التعصب المذهبي وبين الصراعات التي لا تنتج معرفة ولا تقود إلى حقيقة وإنما تعيد إنتاج الخصومة جيلا بعد جيل

إرسال تعليق

0 تعليقات