لم يكن الدكتور علي الوردي عالم اجتماع يراقب المجتمع من بعيد، بل اقترب من تفاصيله وتناقضاته، وحاول أن يقرأ الإنسان العراقي كما هو، لا كما ينبغي له أن يكون. ولهذا بقي اسمه حاضرا بعد عقود من رحيله؛ لأن كثيرا من الأسئلة التي طرحها ما زالت تُناقش حتى اليوم.
من دكان العطار إلى علم الاجتماع
وُلد علي الوردي في الكاظمية ببغداد عام 1913. ولم يكن طريقه إلى الجامعة مستقيما أو سهلا؛ فقد ترك الدراسة صغيرا وعمل عند عطار، وتروي سيرته أنه كان ينشغل بقراءة الكتب والمجلات عن الزبائن، حتى انتهى به الأمر إلى ترك ذلك العمل. ثم عاد إلى الدراسة المسائية سنة 1931، لتبدأ مرحلة مختلفة من حياته.
واصل دراسته حتى وصل إلى التعليم الجامعي، ودرس في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة، حيث حصل على الماجستير في علم الاجتماع من جامعة تكساس عام 1948، والدكتوراه عام 1950. وعاد بعد ذلك إلى العراق، وأصبح من أبرز الأكاديميين الذين أسهموا في ترسيخ علم الاجتماع في البيئة الجامعية العراقية.
🔍 ماذا كان يريد الوردي؟
كانت إحدى أهم ميزات الوردي أنه لم يتعامل مع المجتمع بمنطق الواعظ الذي يخبر الناس بما يجب أن يكونوا عليه، بل حاول تفسير لماذا يتصرف الناس بالطريقة التي يتصرفون بها.
درس أثر البيئة والتاريخ والقيم الاجتماعية والصراع بين أنماط الحياة المختلفة في تكوين المجتمع العراقي. وتأثر في مشروعه بابن خلدون، الذي كان حاضرا بقوة في تفكيره ودراساته الأكاديمية.
🔍 ازدواج الشخصية
من أشهر الأفكار المرتبطة بالوردي حديثه عن ازدواج الشخصية؛ أي التناقض الذي قد ينشأ بين القيم والمثل التي يعلنها الإنسان وبين السلوك الذي يمارسه في حياته الواقعية.
لم يكن هدفه، في جوهر مشروعه، إهانة العراقي أو اختزاله في صفة سلبية، وإنما محاولة تفسير التناقضات الاجتماعية التي رآها نتيجة لتاريخ طويل من المؤثرات والقيم المتعارضة.
البداوة والحضارة
وفي كتاب «دراسة في طبيعة المجتمع العراقي» حاول تفسير جوانب من الشخصية والمجتمع من خلال التفاعل والصراع بين قيم البداوة والحضارة، مستفيدًا من الإطار الخلدوني في قراءة المجتمع والتاريخ.
ومن هنا كان الوردي ينظر إلى الكثير من السلوكيات الاجتماعية بوصفها نتاج ظروف تاريخية واجتماعية، لا مجرد صفات فطرية ثابتة في الإنسان.
🔍 لماذا أثار كل هذا الجدل؟
لأن الوردي اقترب من مناطق شديدة الحساسية.
في «وعاظ السلاطين» ناقش العلاقة بين الوعظ والسلطة وانتقد أنماطًا من الخطاب الديني والاجتماعي، فأثار الكتاب منذ صدوره عام 1954 نقاشًا واعتراضات واسعة، بما في ذلك من بعض رجال الدين.
هنداوي
وفي «مهزلة العقل البشري» واصل نقد التحيز الفكري والطريقة التي يستطيع بها الإنسان استخدام المنطق لتبرير موقف يؤمن به مسبقًا.
أما في «أسطورة الأدب الرفيع» فدخل ميدانًا آخر، منتقدًا جوانب من النظرة التقليدية للأدب واللغة، وهو ما وسّع دائرة الجدل حول أفكاره.
وهنا تكمن إحدى سمات الوردي: لم يكن يبحث عن منطقة مريحة للكتابة.
عندما أعاد قراءة تاريخ العراق
بلغ مشروعه ذروة مهمة في «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث».
فالوردي نفسه لم يقدم عمله بوصفه تاريخًا تقليديًا يهتم بتسجيل الحوادث وحدها؛ بل استخدم المادة التاريخية للوصول إلى دلالاتها الاجتماعية والفكرية.
جامعة البصرة
وبذلك تحولت أحداث الماضي لديه إلى وسيلة لفهم الإنسان والمجتمع والحاضر.
ومن أشهر مؤلفاته كذلك: «شخصية الفرد العراقي»، «خوارق اللاشعور»، «وعاظ السلاطين»، «مهزلة العقل البشري»، «أسطورة الأدب الرفيع»، «منطق ابن خلدون»، و**«دراسة في طبيعة المجتمع العراقي»**، فضلًا عن مشروعه الكبير «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث».
الوردي بعد الوردي
توفي علي الوردي في بغداد في 13 تموز 1995، لكن رحيله لم ينهِ الجدل الذي صنعته أفكاره.
مركز الاتحاد للأخبار
ربما نتفق معه في بعض أطروحاته ونختلف معه في أخرى، وبعض تفسيراته نفسها تستحق إعادة الفحص والنقد بعد مرور عقود عليها. لكن القيمة الأساسية في تجربته أنه دفع القارئ العراقي إلى طرح أسئلة غير مريحة عن ذاته ومجتمعه.
لم يضع المجتمع أمام مرآة ليقول له: هذا قبيح وهذا جميل، بل ليطرح سؤالًا أصعب:
لماذا أصبحنا على هذه الصورة
ولهذا، بعد أكثر من ثلاثة عقود على رحيله، ما زال علي الوردي يُقرأ ويُناقش ويُعارض؛ وربما تكون هذه إحدى العلامات الأوضح على أن صاحب الفكرة رحل، لكن أسئلته لم ترحل معه.

0 تعليقات