حكاية الأيام
بقلم: وجدي نيازالدين أكبر
كانت انسيابية الحياة الاجتماعية في الماضي السحيق تسير وفق فكرة الأخذ والعطاء؛ فالشخص المهذب الذي كان يقدم خدمات إنسانية لمجتمعه ولخواصه، من التداوي بالأعشاب وزرق الإبر، ومن حفر القبور وغسل الميت وتكفينه من غير لقاء أجور، كان الناس يُجلّونه وتهواه القلوب الرؤوفة، وكان مجتمعه يقضي حوائجه مجانًا وفي سبيل الله.
لا شك أن مثل هذا الإنسان لا تكون عينه على حطام الدنيا، بل يقتنع بمعيشة الكفاف.
والدتي المرحومة، في حياتها، تحدثت لي عن مطلع الخمسينيات من القرن الماضي قائلة:
كان للسيد نقي سيد حسين سيد قلندر يدٌ بيضاء في غسل وتكفين الميت وقراءة التلقين عليه حين دفنه.
حدث أن مرض أخي مصلح الدين، الذي يكبرني بسنتين، بمرض كانت أعراضه التقيؤ والإسهال الدموي الشديدين باستمرار، فأنهكه وأضعف قواه، حتى إن جسمه لم يكن ينتفع من الغذاء الذي يتناوله. فتحيّر الأطباء في معالجة تلك الحالة المستعصية، وقالوا لوالدي بالحرف الواحد:
«هذا المرض قد يودي بحياة ولدك».
حينئذ اغتمّ والدي بهذا الخبر المفجع، وتوجه هو ووالدتي إلى مرقد الإمام أحمد بن الإمام موسى الكاظم (ع)، المدفون في أرض مدينتنا طوزخورماتو، فدعوا الله عنده، ونذرا إن عوفي ولدهما من هذا المرض أن يأتيا بقربان، على أن يشدّا عقاله بعنق ولدهما، وأن يأتيا به مشيًا على الأقدام إلى حرم الإمام أحمد (ع).
وشاء الله أن يتقبل نذرهما، وشُفي أخي تمامًا من المرض بفضله.
ولما حان وقت أداء النذر، استصعب أخي مصلح الدين تطبيق شروط النذر، قائلًا:
«أنا أخجل أن أسير وحبل الشاة في عنقي».
وقتئذ فكر والداه أن يمسك حبل القربان بيده، وعندما يقترب من صحن الإمام أحمد (ع) يجعله في عنقه، ليطمئن قلبه إلى أنه لبّى النذر بالتمام.
فسار أخي وسرنا معه بأقدامنا، ولما وصلنا إلى باحة الإمام أحمد (ع)، أخذ القصاب يذبح القربان، وإذا بالسيد نقي يقابلنا في مقبرة الإمام أحمد (ع)، وقد هيّأ نفسه لقراءة التلقين على ميت من أهل قرية ينكجه.
ولما رأى السيد الضحية تُنحر، تمازح مع والدي قائلًا:
«مجيد أفندي، اليوم غدائي عندكم من هذا القربان المبارك».
فأجابه والدي:
«مرحبًا بك، أهلًا وسهلًا بسيدنا الجليل. أنت اليوم ضيف عزيز علينا، وحصتك مضمونة عندنا».
وبدأ السيد بقراءة التلقين، ولم يكمله، وإذا به يقع على وجهه بغتة داخل حفرة القبر. فلما رفعوه وجدوه ميتًا، وقد فارق الحياة.
ولم تصبح قسمته من لحم القربان!
صدق من قال:
«إنما الأرزاق حظٌّ وقسمةٌ عند مليك، لا بحيلة طالب».
وظل هذا الخبر يدور في بالي، فأحببت أن أدوّن هذا الحادث المؤلم ليبقى خالدًا بين كتاباتي للأجيال اللاحقة.
فصادفت نجله السيد زين العابدين، بعد مرور أكثر من خمسة عقود على الخبر، وتواعدنا، وذهبنا يوم 1/6/2021م ليريني قبر والده.
فقال إن قبر والده ظل تحت البناية في توسعة صحن الإمام أحمد (ع)، وأراني قبر جده سيد حسين الموسوي، فصورته بعدستي، ووافاني بمعلومات قيمة عن عشيرة السادة.
وقال:
«أنا لم أرَ والدي؛ لأن والدي توفي وأنا طفل رضيع، عمري أربعة أشهر. وحسب ما سمعته عن والدتي المرحومة، فإن والدي قد نودي لغسل المتوفى آنذاك السيد حميد، الساكن في قرية ينكجه، فغسله وكفنه وأتى به لدفنه في مقبرة الإمام أحمد (ع).
وعند قراءة تلقينه فقد وعيه وسقط على وجهه داخل حفرة القبر، والأستاذ عبد إسماعيل كان حاضرًا بجانبه، فحركه، وإذا به راحل إلى رحمة المليك الأعلى».
وأضاف السيد زين العابدين:
«إن والدي، سيد نقي، هو نجل السيد حسين بن سيد قلندر، والسيد قلندر مدفون في منطقة الديار خارج العراق لمشاركته في الحرب العالمية الأولى.
جدي متزوج امرأتين؛ إحداهما تلعفرية، تزوجها حين وجوده في تكيته الخاصة في تلعفر، ورُزق منها ابنة هي فاطمة، التي توفيت في الانتفاضة الشعبانية عام 1991م، وهي أم للأستاذ المعلم المتقاعد السيد باقر.
أما أولاده من الزوجة الثانية في طوزخورماتو فهم:
1- سيد تقي، وأولاده: سيد باقر (بغداد)، سيد ولي، سيد علي.
2- سيد نقي، وأولاده: سيد علي، سيد محمد، سيد حسن، سيد عباس، سيد زين العابدين.
3- سيد ساقي، وأولاده: سيد قلندر، سيد رضا، سيد محمد.
وتكية والدي هي البيت الذي أسكن فيه حاليًا، وكان يُشفى فيها على يده أكثر المجانين والمصابين بالأمراض النفسية المختلفة».
والذي يحزّ في نفسي ويحزنني أنني دوّنت هذه المعلومات من السيد زين العابدين قبل سنتين من الآن، ولم تمهلني مشاغلي أن أجعلها مقالة وأنشرها في جريدة «آق صو».
وكان السيد زين العابدين، كلما يصادفني بين كل شهرين أو أكثر، يسلم عليّ ويقول:
«ها دكتورنا، أين وصلت المقالة عن أبي؟»
فأقول له:
«الله كريم سيدنا، سأنشرها قريبًا إن شاء الله تعالى».
وبينما أنا أتحضر لنشر المقالة، فوجئت بوفاة السيد زين العابدين يوم الأربعاء 28/6/2023م.
سبحان الله!
لم تكن قسمته أن يرى المقالة عن سيرة والده.
والعجيب في الأمر أنه تهيأ لعرس ولده يوم الجمعة، فوافاه الأجل قبل يومين من موعد زفاف ولده العريس.
والأعجب من هذا أن السيد زين العابدين، رحمه الله، التقط صورة معي لأنشرها مع المقالة، وحين النشر بالأمس، 18/7/2023م، سقط هاتفي من يدي، وإذا بشاشته قد احترقت، فصلحته بمبلغ ورقة واحدة، أي بـ148000 دينار عراقي، لأجل صورتي مع السيد زين العابدين، رحمه الله تعالى وأحسن مأواه.
وأختم مقالتي ببيت شعر للمتنبي قال فيه:
ما كلُّ ما يتمنّى المرءُ يدركهُ
تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ
هذا ولكم تحياتي، أحبتي الأعزاء.

0 تعليقات